ما الذي ضاع من 14 شباط؟
الحلقة المفقودة
| قيل إن شيئا ما فقدته روحية 14 آذار. منهم من لمس هذه الـ”ما” ووضعها تحت مجهر التحليلات، ومنهم لا. قد تكون 14 آذار أضاعت المشروع الخصم أو فقدت الجرأة لتسميته. وقد تكون وصلت إلى نقطة اللاعودة، وفي الحالين جمهورها باق ومستمر. والرهان على تراجع حماسه ليس في مكانه، أقله عند التكلم عن تاريخ 14 شباط. فأين الحلقة المفقودة؟
|
|  |
واضح أن اللبناني كان في حاجة إلى الصدمة التي أحدثتها عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليستيقظ من كبوة طال عمرها سنوات. لكن الواضح أيضا أن هناك من أراد أن يعيده إلى حال الغيبوبة عن طريق استغلال غرائزه. لكن الكلام عن 14 شباط كما يصر المصدر في علم الإجتماع على التسمية، لم يعد يرتبط بذهنية الصراعات. “الناس تعبت من الصراعات الحزبية. وحركة 14 شباط ليست صراعا حزبيا.هي انتفاضة استقلال، وبين الإستقلالين الأول والثاني هناك الشهيد رفيق الحريري”.
التغيير الذي وُعِدبه جمهور 14 شباط بعد الإنتخابات سبب له الخيبة، ففقد الثقة بالمؤسسات والسياسيين. من هنا يمكن أن نلاحظ حال التعب واليأس عند الأغلبية من جمهور 14 شباط، “لكن يجب الإفادة من كل بريق أمل من الزوادة المتوافرة. المهم حتى اليوم لم يتخل أحد سواء في الأكثرية أو رئاسة الجمهورية أو الحكومة عن المبادئ، ومن الضروري أن نحافظ على هذه المبادئ ولا نساوم عليها ونتجنب كل شكل من أشكال الحروب الساخنة والباردة، وهذا هو هدف 14 شباط”.
إنطلاقا من هذا الواقع يمكن أن نقرأ مضمون بيان البريستول الأخير، “فهو يتضمن نوايا عدم التأزيم، لأن المنظومة السورية في انتظار العودة عن طريق استغلال أي شكل من أشكال الحرب الأهلية”. ولتفادي السقوط في هوة أكبر، لفت المصدر إلى ضرورة الإعتراف أولا بالجهات التي أضعفت الحركة الإستقلالية في لبنان، |  | والإقرار بوجود تيار مسيحي ماروني يسعى إلى قلب موازين القوى في الداخل لصالح نفوذ خارجي. فعندما نتهم 14 شباط نعطي الحق للطرف الآخر ونخلق مشكلة للمسلمين الإستقلاليين، واعتماد مسار متجدد ثانيا عن طريق التفاعل أكثر مع المجتمع واعتماد تسمية 14 شباط بدلا من 14 آذار حتى لا تتحول إلى جهة حزبية في مواجهة مع تجمع 8 آذار. وبذلك يتحول الصراع بين ربيع بيروت والوفاء لسوريا.
وإلى العامل الداخلي المتمثل في أطراف مسيحيين موارنة، هناك أنماط التسخيف المعتمدة من الطرف الآخر،ومنها السؤال عن طريقة تأليف محكمة دولية من اجل شخص واحد واستغلال موت الرئيس رفيق الحريري واعتبار الكلام عنه بمثابة تحريض وافتعال موضوع، في حين يجب ان نتكلم عن قضية اغتيال الحريري في كل دقيقة وساعة لأنها تستهدف وجودًا ومسارًا.
تبرز القراءة الجيوسياسية لواقع حركة 14 آذار بعض الثغرات، “لكنها لا تؤثر على جوهر انتفاضة الإستقلال”. ويحدد المحلل السياسي الدكتور نبيل خليفة المشكلة الأساسية اليوم في حركة 14 آذار بعدم وجود الوعي والجرأة الكافية لتقول من هو صاحب المشروع الآخر المناهض لمشروعها. فهذه الجماعة انطلقت على أساس مشروع، وبحسب علم الجيوسياسة يجب أن نحدد الإسم أو الجهة التي يتنازع معها صاحب المشروع أو المنافسة له، وإلا نكون نقاتل أشباحا. هم يقولون هذا هو مشروعنا لكن أين هو المشروع المختلف أو المنافس له؟ |  | المشكلة في المشروع الآخر، وأسلوب التعاطي القائم على المسايرة. وفي علم الجيوبوليتيك لا يوجد ما يسمى المسايرة السياسية.
هناك تحليل ومواجهة بين جهة وأخرى، ومشروع وآخر. ومشكلة 14 آذار أنها لا تبلور مشروعها الآخر المناقض لها.
تحديد العبارات في علم الجيوبوليتيك اساسي بحسب الدكتور خليفة، “فعندما نقول “صراع” إنما نعني صراعا مع العدو، وعندما نستعمل عبارة نتخاصم، هذا يعني ضد من. من هنا ضرورة التمييز بين الصراع والخصام، أي بين المنافسة والإختلاف”. ويعتبر خليفة أن14 آذار قالت كل شيء في بيانها الأخير إلا تحديد هوية المشروع الآخر، وهذا يعود إما الى قلة الوعي به أو حرصا على عدم إبرازه. لكن من يجهل هذا المشروع الآخر سيعاني التفتت والتآكل. لكن ليس على حساب المبادئ إنما الأشخاص، لأن المبدأ القائم في 14 آذار جوهري وحراسه هم جمهورها. ولفت إلى أن محاولات تفكيك 14 آذار واضحة من كل الجهات الخارجية بدءا بإسرائيل وتليها سوريا، وهذا لضرب الكيان، وهي تضع كل قوتها لمحو دور لبنان وخربطة الواقع الذي فرضته هذه الحركة الإستقلالية. وهذا يفسر الإختلاف بين الصراع والنزاع والإختلاف والمنافسة.
وباستثناء الخطاب والخطأ المقصود او المرتهن بظروف التهدئة وعدم التأزيم، لا يعني ذلك اضمحلال جمهور 14 آذار. “الشباب لا يزال على قناعاته لأنه غير مرتبط بالأشخاص. وهو يتحرك انطلاقا من عامل تحرره |  | وحريته وحرية وطنه. وهو لا يدافع عن فلان أو فلان، إنما عن نفسه. لذلك نادرا ما لمسنا التقلب على المستوى الجماهيري كما هو حاصل عند بعض الزعامات. وليكن معلوما أن الشباب الذي سينزل إلى ساحة الحرية في 14 شباط لن يقوم بذلك إلا تأكيدا على مفهوم الحرية التي ارتضاها. ولن ننسى أن هناك رجلاً تاريخيًا إسمه رفيق الحريري ساهم في إطلاقها عندما اتخذ خيار الكيان والنهائية ومشت وراءه جماعة أهل السنة. وله يعود الفضل في فتح الباب أمام شباب لبنان في تحقيق حريته. لكن لا يمكن أن نصنعشعبا حرا من دون دولة حرة أو دولة قائمة على مفهوم السيادة والإستقلال. ولولا التعديل الذي حققه الرئيس الشهيد رفيق الحريري في موقف أهل السنة، لكنا اليوم لا نزال حيث انتهينا قبل 5 أعوام. والتاريخ تقرره الشعوب.
من أخرج نفسه من تجمع 14 آذار إنما عن قناعة بوجود خلل ما ولا بد من إعادة النظر في الطروحات. والمؤسف بحسب النائب السابق عبدالله فرحات أن كل طروحات 14 آذار السابقة كانت صراعية مع الآخر، والأطراف الأساسيون في الفريقين هم من المسلمين شئنا أم ابينا. والمطلوب من المسيحيين التقريب بين السنة والشيعة حتى لا ينعكس ذلك ضررا على مصلحة البلد.لكن حصل العكس، إذ كانت التحالفات مع هذا الفريق ضد ذاك. واعتبر النائب فرحات أن من الضروري إعادة النظر في طروحات 14 آذار والدخول في حيز التفاصيل مع الإعتراف بالآخر بعيدا |  | من قاعدة سياسة النصف زائدًا واحدًا أو اكثرية وأقلية، لأن لبنان لا يسير وفق هذه القاعدة. ورأى في بيان البريستول الأخير تعديلا في نبرة الخطاب ومضمونه سواء على المستوى الموجه إلى الداخل أو الخارج وهما وجهان لعملة واحدة. ورد ذلك إلى عدم وجود رغبة في الدخول في صراع سياسي وإفساحا في المجال أمام الحكومة للإنطلاق، لأن بقاء 14 آذار على مواقفها لن يسمح لها بذلك.
جومانا نصر joumananasr@almassira.com
|