إنتقام الاخوان
حتى آخر عمود...

 

في ردهة مجلس النواب في ساحة النجمة، حيث شلّت عقارب الساعة الكبرى وتسمّرت يومها عند زمن الفراغ، كان صديقي – مع ان السياسة هذه الايام فرّّقتنا وأنستنا الخبز والملح وشعلة القضية والنضال – يتنقل بين المجموعات النيابية المستنفرة في معسكرين كما اليوم: واحد مع التعديل والتصويت والتنصيب وثان ضد، ليس ضد التعديل او التصويت او التنصيب فحسب، بل وضد كل ما قد يأتي به المعسكر الاول، على عماها!
كان يضع يديه في جيب البالطو ويتحدث، مبديا فرحا على رغم وجود الكاميرات والعدسات والصحافيين بكثرة وحشرية وشوق اللقطة! سأله أحدهم: تبدو وأنت الماروني، كأنك سعيد بفراغ الكرسي الاول وشغوره من ماروني!
ابتسم صديقي بلؤم في سرّه، لان فكرته وصلت، وفتح له المجال لتمرير رسالته بتهكم فاجر: ومن قال ان الموارنة في عينهم كرسي او رئيس او قصر؟! لقد حققوا كل مبتغاهم وآمالهم وأحلامهم قبل عامين وما عادت بعبدا تهمّ! أنسيتم ماذا كان الموارنة يرددون طيلة خمسة عشر عاما، بل منذ ثلاثين ان دورنا الزوايا والعناوين؟ لقد اختصر المسيحيون خلاص لبنان في ثلاثة أمور فقط لا غير، وكانت لهم الثلاثة على التوالي: فليخرج الجيش السوي، وليعد أهل المنفى، وليحرر أهل السجن، وما بدنا شي! فنحن نتكفل بالباقي وسيكون لبنان بألف خير! ويستغرق صديقي (الذي كان) في البحلقة والتمحيص في عيون محدثيه وردّ فعلهم، ضاحكا في سرّه، بل قل شامتا...
هل صديقي (الذي كان) على حق؟ هل تراه يترحم في سرّه على الزمن السوري المخابراتي الحاكم بالترهيب والجزمة؟ أم هو كان يفضل لو بقي ميشال عون وأمين الجميل وسمير جعجع حيث أرادتهم المشيئة السورية المصادرة للقول والفعل بل المصادرة للوطن؟ وهل هؤلاء هم المسؤولين عما نحن فيه اليوم؟ عما كنا فيه من قلق وفراغ وعلى شفير المصير المجهول من قبل، وعما نحن أمامه على شفير حرب اليوم؟!
ترى أما زال صديقي (الذي كان) يبتسم بلؤم وهو يعرض النقل المباشر عبر الشاشات المتلفزة طيلة الأيام الأخيرة؟ تراه أما زال على الشماتة نفسها، وهو يسدّ انفه من روائح الدخان الاسود وحرائق المطاط؟
... الآن افهم، اليوم بالذات افهم لماذا كان صديقي (الذي كان) مرتاحا في حديثه ذاك. أظن بان الاخوان، اخوانه، اخبروه. أظن بأنه كان يعرف منذ يوم كان في وداعهم على رصيف شتورا، وهم كادحون صوب الديار، كان على علم بان الاخوان لن يناموا على انسحاب مكره من ارض العسل والعزّ، بل سينتقمون! سينتقمون اشد الانتقام، وحتى آخر رمق! حتى آخر عمود من هيكل الدولة اللبنانية!

ف د   

 
Copyright (c) 2008 Al Massira sarl     | اتصل بنا