لا داعي للقلق، ولا مبرر أيضاً بالمقابل للتهليل …، ما حصل ليلة أمس ليس مفاجأة، وليس نهاية، وليس انكساراً …، ما حصل هو ما يحصل في أمريكا منذ أكثر من مئتي سنة …
في كل انتخابات نصفية، في كل رئاسة، يميل الناخب الأمريكي إلى موازنة الكفة …، هذا ليس تصويتاً ضد ترامب، هذا تصويت أميركي كلاسيكي : الرئيس يحكم، والكونغرس يراقب …، والشعب الأمريكي يحب دائماً أن يوزّع السلطة، لا أن يجمعها في يد واحدة …
والأهم، يجب أن نفهم شيئاً جوهرياً : أمريكا ليست نظاماً برلمانياً، أميركا نظام رئاسي …
الرئيس الأميركي لا يُنتخب من الكونغرس، ولا يسقط بسحب ثقة، الرئيس يُنتخب من كل الشعب الأمريكي، من ٥٠ ولاية، من أكثر من ٣٠٠ مليون أمريكي …، وهو يحمل شرعية مباشرة تفوق شرعية أي نائب أو سيناتور انتُخب في دائرته الصغيرة …
ولهذا، الرئيس ترامب يملك ما لا يملكه الديمقراطيون مجتمعين :
أولاً : حق الفيتو، وهو سلاح الرئيس الأقوى …
أي قانون يمرره الديمقراطيون في مجلس النواب والشيوخ، يمكن للرئيس ترامب أن يرفضه بقلم واحد …، الفيتو هو كلمة الفصل …، ولكسر الفيتو، يحتاج الديمقراطيون إلى ثلثي الكونغرس، وهذا مستحيل حسابياً …، يعني عملياً : لا قانون يساري متطرف سيمرّ …، لا قانون لفتح الحدود سيمرّ …، لا قانون لتدمير الاقتصاد سيمرّ، ترامب هو الحارس الأخير، وبابه مغلق …
ثانياً : الصلاحيات التنفيذية الواسعة …
الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة …، هو الذي يرسم السياسة الخارجية …، هو الذي يعيّن القضاة الفيدراليين، وقضاة المحكمة العليا …، هو الذي يوقع الأوامر التنفيذية، ويحرك الإدارات الفيدرالية، ويحمي الحدود، ويتفاوض مع العالم …
الديمقراطيون في الكونغرس يستطيعون أن يتكلموا، أن يعقدوا جلسات، أن يصدروا بيانات …، لكن الرئيس هو الذي يفعل …، والرئيس ترامب أثبت في سنتين أنه رجل فعل، لا رجل كلام …
ثالثاً : التعاون صار مفروضاً على الطرفين، والكلمة الفصل للرئيس …
وهنا النقطة التي يغفل عنها الكثيرون : الآن، الكونغرس ومجلس الشيوخ بحاجة إلى ترامب كي يستطيعوا تمرير القوانين التي يحتاجون إليها، وترامب يحتاج للكونغرس ببعض الأمور في حال أراد أيضاً أن يمرر قوانين قد يحتاجها …
لذلك التعاون سوف يكون إلزامياً ومفروضاً بين الطرفين …، لا يستطيع الديمقراطيون أن يحكموا وحدهم، ولا يستطيع الرئيس أن يشرّع وحده كل شيء …، سوف يكون الطرفان محكومين بالتعاون، ولكن تبقى الكلمة الفصل لرئيس الجمهورية، مطلق الصلاحيات، في ظل نظام رئاسي واضح …
وعدا عن ذلك، إن كان الديمقراطيون ينوون العمل على عزل ترامب وكف يده عن الرئاسة، فهذا الموضوع سوف يكون صعباً جداً، بالرغم من أنهم لم يتكلموا بهذا الموضوع …، ولكن بحال تم ذلك، فإن نائبه فانس سوف يكمل المسار …، وبالطبع السياسة الأميركية الجمهورية واضحة بهذا الإطار، نحو إقفال كافة الملفات المتعلقة بوعود ترامب، لا سيما ملف النظام الإيراني والسلاح النووي، وعدة ملفات أخرى مثل غرينلاند وفنزويلا وغيرها …
بمعنى آخر : حتى لو حاولوا إزاحة الشخص، لن يستطيعوا إزاحة المشروع …، المشروع مستمر، والمسار مستمر، سواء مع ترامب أو مع فانس من بعده …
رابعاً : لماذا صوّت الناس بهذه الطريقة ؟!؟!…
لأن الانتخابات النصفية دائماً تحمل رسالة احتجاجية جزئية …، الناخب يعاقب حزب الرئيس قليلاً ليقول له : انتبه أكثر للأسعار، انتبه أكثر للمعيشة، أسرع أكثر …، لكنه لا يقول له : إرحل …
لو كان الشعب يريد رحيل ترامب، لكان صوّت لإزاحته …، لكن الشعب قال : أكمل يا ترامب، لكن أكمل بقوة أكبر …
والديمقراطيون يعرفون هذا جيداً …، هم انتصروا في الأرقام، لكنهم خسروا في المعنى …، لأنهم لا يملكون رئيساً، ولا يملكون مشروعاً، ولا يملكون زعيماً بحجم ترامب …، هم مجموعة أصوات متفرقة، وهو رئيس واحد موحّد خلفه عشرات الملايين …
ماذا سيحصل في السنتين المقبلتين ؟!؟!…
سيحصل ما يريده ترامب …، وسيكمل ما بدأه :
سيكمل إغلاق ملف الحدود والهجرة غير الشرعية، ولن يستطيع أحد أن يمنعه، لأن حماية الحدود صلاحية رئاسية سيادية …
سيكمل ملف السلام في العالم، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، لأن السياسة الخارجية هي ملعب الرئيس وحده، وليس ملعب الكونغرس …
سيكمل ملف الاقتصاد، وخفض الضرائب، ودعم الصناعة الأمريكية، وإعادة المصانع إلى أمريكا، لأن الاقتصاد يتحرك بالأوامر التنفيذية والقرارات الرئاسية قبل القوانين …
وسيكمل تنظيف الدولة العميقة، وتعيين القضاة الذين يحمون الدستور والحرية …
الديمقراطيون سيحاولون أن يعطّلوا، أن يؤخروا، أن يصرخوا …، هذا دورهم الجديد، لكن التعطيل ليس حكماً، والصراخ ليس قيادة …
أميركا اليوم أمام معادلة واضحة : كونغرس ديمقراطي يتكلم، ورئيس جمهوري قوي يحكم …
وهذا في النهاية يخدم ترامب، لأنه سيظهر أمام الشعب الأمريكي في ٢٠٢٨ كالرجل الذي وقف وحده ضد الجميع، وحمى أمريكا رغم كل العراقيل، وأنجز رغم كل المعارضة …
لا تحزنوا يا جمهوريون …، ولا تهللوا يا ديموقراطيون، فهذه ليست نهاية المعركة، هذه بدايتها الحقيقية …
ترامب لم يأتِ ليحكم سنتين، ترامب جاء ليغيّر أمريكا، وسيكمل ما أنجزه، وسيُغلق كل الملفات التي تهم أميركا والعالم …
الفيتو بيده، والجيش بيده، والسياسة الخارجية بيده، والشعب معه …
والسنتان القادمتان ستكونان سنتَي الحسم …























