يورد المؤرّخ منذر جابر في كتابه (مسائل في أحوال الجنوب اللبناني – جبل عامل): “عندما دخلت فرنسا وبريطانيا في حزيران 1920؛ في مفاوضات لترسيم الحدود، كتب حاييم وايزمان إلى تشرشل: إن الإتفاق مع فرنسا حرم فلسطين من الوصول إلى الليطاني، وحرمها من إمتلاك أعالي نهر الأردن ونهر اليرموك والسهول الخصبة شرقي بحيرة طبريا، والتي كانت تُعتبر أهم الأماكن الواعدة لاستيطان يهودي واسع النطاق….”.
هذه الوثائق التاريخية تشير من جهة الى حجم المطامع الصهيونية والضغط الهائل الذي مارسه اللوبي الصهيوني وإنكلترا لضم جنوب لبنان وجبل عامل الى فلسطين، مع الأخذ في الإعتبار أنه في زمن الإحتلال العثماني كان الجليل وجبل عامل تارة جزءًا من ولاية صيدا وتارة أخرى جزءًا من ولاية بيروت. ومن جهة ثانية تؤكد هذه الوثائق التاريخية حجم الجهود الجبارة التي قام بها المثلث الرحمات البطريرك الماروني الياس الحويك في مؤتمر فرساي، والتي نجحت في هزم الأطماع الصهيونية وأثمرت في ضم جبل عامل والجنوب الى لبنان. هذا الإنجاز نجّى الجنوب وأهله من مخطط التهجير الصهيوني الذي حدث زمن نكبة 1949 .
بعد إعلان دولة لبنان الكبير استغل الحكم العربي في سوريا الشعور بالغضب عند بعض شيعة جبل عامل وساهم في إنشاء مجموعات مقاتلة بحجة مقاومة الإحتلال الفرنسي. ساهمت تلك العصابات المسلّحة في إحداث إنقسام بين الشيعة والمسيحيين في جنوب لبنان، علمًا بأن الجميع كان يعيش بسلام وأخوة وتعاون منذ زمن طويل، وقد غذت تلك المشاكل محاولة المجموعات المسلّحة الشيعية، بتشجيع من الحكم العربي في الشام، فرض جزية على القرى المسيحية مما أدى لصدامات عسكرية بين الطرفين. في 24 نيسان 1920 عُقد مؤتمر وادي الحجير بتشجيع من الملك فيصل إبن الحسين لإعلان رفض الوصاية الفرنسية وإعلان الثورة ضد الفرنسيين. في 5 أيار 1920 شنّت عصابات شيعية بقيادة محمود بزي هجومًا على القرى المسيحية خاصة عين إبل ورميش، مما أدى لسقوط حوالى 100 ضحية.
إستغلت فرنسا هذا الوضع الشاذ لمصلحتها وشنّ الجيش الفرنسي هجومًا عسكريًا كاسحًا بقيادة الجنرال نيجر على جبل عامل. مهّد الجنرال نيجر لهجومه بقصف مدفعي كثيف وغارات عنيفة من طائرات حربية، مما تسبب بدمار هائل وخسائر بشرية كبيرة جدًا. وقف الحكم العربي موقف المتفرّج ولم يتدخل عسكريًا كما كان متفقا عليه مع الميليشيات الشيعية، مما ساعد الجيش الفرنسي على الإستفراد بهم وتنفيذ مجازر مخيفة كادت أن تقضي على الوجود الشيعي في جبل عامل. هذه الأحداث التاريخية ساهمت بإضعاف النفوذ الشيعي في الدولة اللبنانية الفتية.
الحقيقة يجب أن تُقال، لا ليس الخميني هو الذي أعاد للشيعة اللبنانيين حقوقهم. التاريخ يشهد أن الرئيس كميل نمر شمعون وقبل زمن من ظهور الخمينية إهتم بأبناء الطائفة الشيعية وحاول تعزيز إنتمائهم الوطني اللبناني عبر إعطائهم حقوقهم، ونقلهم من “متاولة” الى “شيعة”. والتاريخ الحديث يخبرنا أن كميل نمر شمعون دفع ثمن قراراته دماء وثورات عام 1958 وتحمّل كميات مخيفة من غضب العرب من المحيط الى الخليج. التاريخ يذكر أن الرئيس كميل نمر شمعون هو الذي أحضر الإمام موسى الصدر والعلامة محمد حسين فضل الله لتثقيف الشيعة وإخراجهم من بحر الإلحاد الشيوعي الشمولي الى أحضان الوعي الديني العقلاني والإنتماء اللبناني. وهو الذي أمن المنح الدراسية ليتعلم أبناء الطائفة الشيعية، وهو الذي ساعدهم ليتحوّلوا من مجتمعات أميّة الى مجتمعات متعلّمة ومنتجة ..
وعلى الرغم من كل جهود الرئيس شمعون وعلماء الشيعة المعتدلين، وخصوصًا الإمام موسى الصدر، عادت الشمولية تعصف بالطائفة الشيعية، وهذه المرة من بُعد إيديولوجي ديني. صحيح أن النظام الخميني في إيران استثمر في الشيعة اللبنانيين عبر نقل عقيدة ولاية الفقيه إليهم وتدريبهم عسكريا ليتحوّلوا الى واحدة من أهم الوحدات العسكرية الموالية لإيران في الشرق الأوسط، ولكن الأحداث التاريخية الحديثة أثبتت أن النظام الإيراني استغل عواطف الشيعة وباعهم الأوهام وقام بتخصيب عقولهم بعقيدة ولاية الفقيه لتفجيرهم حسب مصالحه، وهذا ليس بجديد في عالم الإمبراطوريات، فقد فعل هتلر الأمر ذاته مع الأقليات البيضاء في أوروبا. لكن هتلر كان أكثر جرأة من حكام إيران لأنه كان يدفع بجيشه للقتال معهم، أما إيران فقد تركت شيعة لبنان لمصيرهم الأسود، وما تزال تستعملهم ورقة في تفاوضها مع أميركا.
التاريخ يعيد نفسه من جديد، كما حاول الحكم العربي إستغلال الشيعة سنة 1920 لإنشاء دولته، هكذا يحاول النظام الإيراني اليوم إستغلال دماء الشيعة لحماية إمبراطوريته. فهل سيتعلّم الشيعة من دروس الماضي لينقذوا الحاضر؟ هل سيدرك الشيعة اليوم أن الإنتماء الى لبنان حماهم بينما أوهام الشمولية الشيوعية أو الدينية دمّرتهم؟ هل تكون عقيدة الحفاظ على السلاح هي مجرّد غطاء لمشروع إيراني يقضي ببيع أرض جبل عامل والجنوب عامة للصهاينة ضمن الإتفاق النووي بين إيران وإسرائيل برعاية أميركيّة؟ أسئلة مشروعة في زمن التغيرات الكبرى…
























