بين التفاوض والنار: حزب الله في مواجهة الخسارة الوجودية

في لحظة فارقة تتقاطع فيها خطوط الانفراج الإقليمي مع تصدعات عميقة داخل المحور الإيراني، وتتشكّل معالم مشهد جديد لا يبدو أن حزب الله قادر على التكيّف معه بسهولة. في لبنان، يرتفع الخطاب السيادي، وتتقاطع الإرادة الدولية مع الضغط الشعبي لتفكيك منظومة السلاح. وفي سوريا، تتغيّر المعادلات القديمة، ويغيب مشهد “الممانعة” التقليدي، ليصعد الرئيس السوري أحمد الشرع وهو يلوّح بمفردات تفاوض وسلام، بدلاً من خطاب المحور والمواجهة.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

يبدو أن حزب الله يدرك جيدًا أن ما يجري في دمشق ليس مجرد انتقال سياسي، بل تهديد وجودي لما تبقى من شرعية سلاحه، ولمسار النفوذ الإقليمي الذي رسمته إيران على مدى عقدين. ومع إنتهاء الوجود الإيراني في سوريا، وتحوّل النظام إلى نقطة تماس مباشر مع المبادرات الدولية، يدخل الحزب في حالة دفاع استباقي مكشوف. فرفضه القاطع لأي نقاش حول مستقبل سلاحه لا ينبع من موقع قوة، بل من قراءة دقيقة لما يحمله الغد: تفكك الحلف، اختناق جغرافي، وقطيعة إقليمية تضعه في دائرة الانكشاف التام.

الورقة الأميركية التي وصلت إلى بيروت مؤخرًا ليست مجرد عرض سياسي. إنها لحظة اختبار نهائي للدولة اللبنانية وللحزب في آن معًا. تسليم السلاح مقابل إعادة إعمار شامل ودعم مالي ومؤسساتي طويل الأمد. وعلى رغم ما يحمله الطرح من مكاسب للدولة والمجتمع، جاء رد الحزب واضحًا وحاسمًا: “لا نقاش، لا تسوية، لا تنازل”. هذا الرفض ليس دفاعًا تقليديًا عن توازنات داخلية، بل تعبير عن خوف فعلي من انهيار تدريجي لمعادلة “المقاومة” كغطاء شامل للنفوذ والتعطيل والهيمنة.

في عمق هذا الرفض، تتبدّى ملامح خطة مبيّتة، أو على الأقل سيناريو موضوع على الطاولة: التموضع فوق الخط الأحمر، ورفع السقف السياسي–الأمني إلى حدّه الأقصى، وربما الذهاب إلى تصعيد محسوب إذا ضاقت الخيارات. الحزب لا يتحرك اليوم للحفاظ على أوراقه، بل لبناء أوراق جديدة، عبر التهديد والتخويف، وصولًا إلى حافة المواجهة. فالمعادلة بالنسبة إليه واضحة: أي تسوية تُنجز في سوريا، ويُرفع فيها الغطاء عن محور “الممانعة”، ستنعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، وتسقط تلقائيًا مبرر بقاء السلاح خارج الدولة.

والأخطر أن حزب الله لم يعد يملك ترف الانتظار. فالتطورات في سوريا تتسارع، والإجماع العربي–الغربي يقترب من فرض شروط نهاية المرحلة. حتى داخل البيئة الشيعية، بدأت تبرز ملامح تعب سياسي وأمني، مع ازدياد أعداد القتلى، وتراجع الخدمات، وتفاقم العجز المالي، وغياب مشروع حقيقي للمستقبل. الحزب، الذي لطالما قدّم نفسه كـ”ضمانة الطائفة”، بات اليوم يتحمل وحده كلفة الحصار، ويدفع ثمن المعارك الخارجية والخيارات المسدودة.

لم يعد السلاح بالنسبة إلى حزب الله مجرد وسيلة قتالية أو أداة ردع، بل أصبح منظومة متكاملة لإنتاج السلطة وممارسة النفوذ، داخليًا وخارجيًا. إنه مشروع سياسي متكامل، يحكم من خلاله الحزب القرار اللبناني، ويقايض به في الإقليم، ويمنع عبره قيام دولة قادرة. وبالتالي، فإن أي محاولة لطرح تسوية تتعلق بهذا السلاح، تُهدد ليس فقط التوازن العسكري، بل البنية الكاملة التي تأسس عليها نفوذ الحزب منذ عام 2006.

في هذا السياق، لا يُستبعد أن يختار الحزب تفجير المشهد، لا كخيار عقائدي، بل كمحاولة أخيرة لفرض نفسه على طاولة التفاوض الإقليمي. التصعيد في الجنوب، أو تفجير أمني داخلي محسوب، أو تحريك الجبهة السورية عبر أدوات غير مباشرة، كلها احتمالات قابلة للتفعيل إذا شعر الحزب بأن زمن الحسم قد بدأ، وأنه يُدفع إلى الزاوية دون مقابل. فمن يُدرك أنه سيخسر كل شيء، قد يُفضّل خسارة شاملة مدوّية على تآكل صامت يقضي عليه تدريجيًا.

بهذا المعنى، لا يبدو التصعيد ورقة عقائدية بقدر ما هو محاولة تفاوضية أخيرة. الفوضى الموجّهة تتحول إلى أداة لفرض الذات، لا للانتحار السياسي، بل لإعادة تثبيت دور الحزب ضمن النظام الجديد الذي يتشكّل من حوله.

وكما فجّرت “حماس” الوضع في غزة لإفشال المسار التفاوض السعودي–الإسرائيلي، قد يجد الحزب نفسه – في لحظة ضعف إقليمي قصوى – مضطرًا لتفجير الوضع، ليس فقط دفاعًا عن موقعه في لبنان، بل لمنع ولادة شرق أوسط جديد لا مكان له فيه. فالترابط مع سوريا ليس ظرفيًا ولا سياسيًا فقط، بل هو ترابط عضوي، عسكري واستراتيجي، وأي تسوية تُعقد في دمشق ستنعكس مباشرة على الضاحية الجنوبية، وتفرض على الحزب خيارات وجودية لا مهرب منها.

لكن الفرق الجوهري بين الحزب اليوم، وبين “حماس” في لحظة طوفان الأقصى، أن الظرف لم يعد يسمح بمغامرة مفتوحة. فإسرائيل أكثر جهوزية، والغرب أكثر حسماً، والخليج لن يغفر، والداخل اللبناني لن يحتمل. أي مغامرة اليوم لا تؤدي إلى قلب الطاولة، بل إلى كسرها، وسقوط من عليها، بدءًا بمن أطلقها.

ما يجري ليس فقط مواجهة بين حزب الله والغرب، ولا بين “المقاومة” والدولة. إنه اختبار تاريخي لمستقبل السلاح في لبنان، ولمصير الدور الإيراني في المشرق العربي، ولمدى قدرة الميليشيات على البقاء في زمن الدول. فإما أن يُنتج حزب الله صيغة جديدة لعلاقته بالدولة، أو أن يدخل مغامرة أخيرة قد تتحول إلى مقبرة سياسية مفتوحة، لا يستطيع أحد الخروج منها منتصرًا.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?