المسيرة – في تطوّر بالغ الخطورة، أدرج الاتحاد الأوروبي لبنان على قائمته للدول “عالية المخاطر” في مجالي غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
القرار الصادر عن المفوضية الأوروبية في 10 حزيران الماضي جاء بعد مراجعات من قبل فريق عمل الإجراء المالي (FATF)، الذي كان وضع لبنان على “القائمة الرمادية” (Grey List) أو “البلدان تحت الرقابة المتزايدة” منذ تشرين الأول 2024 بسبب قصور منهجي في الاستجابة لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب .ماذا يعني هذا التضمين للقائمة؟
قد تبدو التفاصيل التقنية لمفاعيل هذا التضمين معقّدة. لكن باختصار فإن الإجراءات تبدأ بالرقابة الصارمة على المؤسسات المالية داخل الاتحاد الأوروبي عند التعامل مع لبنان، وتشمل تطبيق “التحقيق المتقدم” بشأن العملاء وتتبُّع مصدر الأموال وملكية المستفيدين الحقيقيين، وارتفاع تكاليف الامتثال وبروز تعقيدات إجرائية للبنوك والمؤسسات التي تتعامل أو تربط مصالحها بلبنان، واحتمال تقييد بعض العلاقات المالية أو نزول المستثمرين عن قرار التعامل مع مصارف أو شركات مرتبطة بلبنان، نظراً لمخاوف اللوائح.
هذا القرار البالغ الخطورة لم يأتِ من العدم. فإلى دلالاته التقنية الخطيرة هناك أبعاده السيادية والأمنية العميقة. فلبنان، الذي كان ذات يوم “سويسرا الشرق”، أصبح اليوم دولة شبه منهارة اقتصاديًا، معزولة ماليًا، ومطوّقة سياسيًا، والمسؤول الأول عن وصول لبنان إلى هذا المنحدر هو “حزب الله”، الذي حوّل الدولة إلى واجهة، والسيادة إلى وهم.
فمنذ أن استحوذ الحزب على القرار السيادي اللبناني، بدعم وتمويل وتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني، صار لبنان حقلًا لتجارب طهران الإقليمية. وما إدراج لبنان على اللائحة الأوروبية السوداء إلا نتيجة طبيعية لوجود حزب مسلّح يعمل خارج القانون، ويُغرق المؤسسات الشرعية بشبكات مالية موازية غير خاضعة لأي رقابة وطنية أو دولية. وسواء شاء القاصي والداني الإعتراف أم لا، فإن قرار الاتحاد الأوروبي هو صفعة مدوية لكل من يروّج لفكرة أن “حزب الله” هو جزء من النسيج اللبناني، والعالم لم يعد يحتمل النفاق السياسي اللبناني، ولا ازدواجية التعامل مع الشرعية.
باختصارلم تعد الأزمات بحاجة إلى تفسير، بل إلى تسمية الأشياء بأسمائها. ومن بين كل أسباب الانهيار المتعدد الأوجه، يبقى سلاح “حزب الله” هو العلّة البنيوية التي تحوّلت من “استثناء مقاوم” إلى واقع يفرض نفسه على الدولة والمجتمع والسيادة. والأخطر من السلاح، هو صمت الدولة الممنهج والمخجل حياله، كأنها قبلت بدور المتفرّج العاجز، أو الشريك المقيّد بتوازنات طائفية ومحلية وإقليمية، تمنعها من أن تُنتج موقفًا سياديًا فعليًا من السلاح غير الشرعي، حتى بعد أن أصبح الحزب شريكًا في الحكم، فاحتفظ بسلاحه “كمصدر قوة غير قابلة للنقاش”.
وفي كل مرة يُفتح فيها النقاش حول ضرورة نزع سلاح ح ز ب الله تأتي الحجج المعلّبة: “السلاح لحماية لبنان”، “الاستراتيجية الدفاعية تنتظر توافقًا”، “لا يمكن المساس بسلاح المقاومة في ظل التهديد الإسرائيلي”، “حماية السلم الأهلي…” وكلها مواقف تُخفي الحقيقة الأهم وهي أن الدولة التي يراهن عليها أكثر من ثلثي الشعب اللبناني لا تزال تسير بخطى بطيئة وتفتقد إلى جرأة اتخاذ القرار.
في ظل هذا الواقع، يرى مراقبون أن صمت الدولة ليس حيادًا مدروسًا، ولا “حرصاً على السلم الأهلي” بل تخلٍ صريح عن دورها كمرجعية وحَكم. فهي حتى الآن وبعد مرور حوالى 8 أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 والتزامها تطبيق القرار 1701 لا تملك مشروعًا بديلًا للسلاح، ولم تُفعّل أي أدوات دستورية لحلّ الأزمة، بل اكتفت بمراقبة التوازنات والانحناء أمامها. أما الحديث عن “استراتيجية دفاعية” فليس إلا مادة إعلامية، تُستدعى في الخطابات ثم تُنسى في أدراج مجلس النواب وبعبدا والسرايا. وما بينهم يتوسع نفوذ “الحزب” خارجيًا، في حين تُضيّق الدولة على نفسها، وتخسر دعم أصدقائها وشركائها التاريخيين.
ما لم تُكسر هذه المعادلة، سيبقى لبنان في دائرة الانهيار المتسلسل. ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أو سياسي أن يُبصر النور في ظل ميزان قوى مختل، وسلاح فوق القانون، وصمت رسمي لا يُفسّر إلا كعجز أو تقاعس وهذا يكفي لتتحول من ضحية إلى شريك مباشر في تكريس الانهيار، وفقدان الثقة الإقليمية والدولية.
خلاصة الكلام، إما تحرير الدولة من سلاح الحزب، أو السقوط الكامل في العزلة والعقوبات والانهيارات. فالإنقاذ يبدأ بكسر الهيمنة، والأوطان لا تُبنى على صفقات فوق الرماد، بل على المواجهة الصريحة مع الاحتلال أيًّا كانت أدواته، وأيًّا كانت راياته.























