المسيرة – مطلع القرن العشرين، أجرى العالم الروسي إيفان بافلوف تجربة مميّزة، بيّن فيها ما يُعرف بـ”الإنعكاس الشرطي”. فقد لاحظ أنه بمجرّد أن يرن الجرس قبل تقديم الطعام للكلب، يسيل لعاب الكلب حتى وإن لم يُقدم له الطعام لاحقًا لأنه اعتاد على إطعامه بعد رن الجرس. وبذلك ارتبط الصوت بالطعام. صار الصوت وحده كافيًا لإثارة رد فعل بيولوجي.
اليوم، وبعد أكثر من قرن، يبدو أن هذا النموذج النفسي المعقد ينطبق، بشكل رمزي، على السلطة اللبنانية في تعاطيها مع ملف سلاح “حزب الله”، إذ يكفي أن يُطرح موضوع نزع السلاح غير الشرعي، حتى يبدأ الخوف من الحرب الأهلية بالهيمنة على خطاب أهل السلطة اللبنانية.
فكرة الإنعكاس الشرطي تظهر جليةً كلما نوقشت سيادة الدولة، من خلال مؤشر التردد والخوف الذي يظهر في خطاب أهل السلطة وكأن أحداث 7 أيار 2008 والقمصان السود، أصبحا جرسًا نفسيًا يرنّ في أذهان أصحاب القرار في السلطة اللبنانية ويدفعهم للخوف من الصدام الداخلي. لقد تحوّلت تلك الحوادث، بما حملته من تهديد بالحرب الأهلية، إلى أداة ضغط غير معلنة تكمّم الأفواه وتُقيّد القرار السياسي، حتى من دون وجود تهديد مباشر أو علني.
وكما خضعت تجربة بافلوف لمنبّه خارجي حدد السلوك، تخضع السلطة اللبنانية لمنبّه داخلي أشد تأثيرًا: الخوف المزمن من تكرار الماضي. هذا الخوف يعيد تشكيل موقفها، يجمّد قراراتها، ويمنعها من اتخاذ خيارات سيادية كانت لتُعتبر بديهية في دول أخرى.
لكن الفرق الجوهري بين تجربة بافلوف والسلطة في لبنان، أن السلطة اللبنانية هي التي تُبرمج نفسها بنفسها، وتُسلّم زمام المبادرة لواقع مأزوم، بدلاً من أن تصنع واقعًا جديدًا.
إن إستمرار هذا “الإنعكاس السياسي الشرطي” يهدد مستقبل لبنان بشكل عام خصوصًا بعد التحذيرات المتكررة للموفد الأميركي، ويُطيل عمر أزمة الشرعية والسيادة. فالمعادلة التي تفرضها السلطة على نفسها – بين السلاح والحرب الأهلية – ليست قدَرًا، بل خياراً ناتجاً عن ضعف الإرادة وسوء التقدير.
لقد حاول رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في مقابلته الأخيرة حث السلطة على التخلّص من عقدة الخوف والمبادرة الى مواجهة المشكلة، ولكن مواقفه الوطنية تعرّضت لموجة من التخوين في محاولة لفرملتها ومنعها من تحقيق أهدافها.
اليوم بات الجميع يدرك أن حصر السلاح بالدولة هو المخرج الوحيد لحل أزمات لبنان وأن الحل السياسي في لبنان ليس بسيطًا ولا سحريًا، لكنه بالتأكيد ليس مستحيلاً. وكما أن بافلوف استطاع أن يُعيد برمجة تجربته عبر كسر الرابطة بين الصوت والطعام، يمكن للبنان أن يُعيد برمجة نفسه إذا وُجدت إرادة سياسية حقيقية، واستُبدل الخوف بالشجاعة، والمراوغة بالوضوح.























