المسيرة – من حق اللبنانيين أن يطمحوا للعيش في دولة حديثة ومزدهرة. دولة تتمتع بالإستقرار السياسي والاقتصادي، وقادرة على مواجهة التحولات الإقليمية من موقع قوة، لا من موقع تبعية. إن إعادة بناء لبنان لا يمكن أن تكون مجرّد ردود فعل عشوائية أو حلول موقتة؛ بل تتطلب رؤية شاملة وخطة عمل واضحة ترتكز على أسس سياسية، اقتصادية، قضائية، وإدارية متينة.
سنحاول أن نلقي الضوء على أبرز نقاط الضعف في الدولة اللبنانية التي يجب معالجتها لبناء لبنان الغد:
1- نزع سلاح الميليشيات وتوحيد القوة المسلّحة تحت سلطة الدولة: لبناء دولة حديثة، من الضروري أن تكون القوة المسلحة حكرًا على المؤسسات الشرعية للدولة. يجب أن يقتنع جميع اللبنانيين بأن نزع سلاح الميليشيات هو مطلب وطني لبناني بالدرجة الأولى، وليس مطلبًا خارجيًا. ينبغي أن تترافق هذه الخطوة مع استراتيجية وطنية واضحة لتأهيل عناصر الميليشيات ومساعدتهم على الإندماج في الحياة المدنية، مع تعزيز عقيدة قبول الآخر المختلف. وهذا القرار يجب أن يكون سياديًا، وغير خاضع للمساومات الداخلية أو الخارجية.
2- إعادة تأسيس النظام السياسي اللبناني: لقد أثبتت المحاصصة الطائفية السياسية عجزها عن إدارة البلاد بعدالة وفعالية. منذ إعلان دولة لبنان الكبير، بني النظام على أسس نخبوية لم تراعِ هواجس جميع مكوّنات الشعب اللبناني، مما أدى إلى شعور بالغضب وعدم الرضا لدى المسلمين الذين رأوا في ذلك سلخًا عن محيطهم العربي والإسلامي، وعدم الأمان لدى المسيحيين الذين اعتبروا الحدود أوسع من حاجتهم مما أدى، مع كل تغيير في سياسة الدول العربية المحيطة بلبنان، الى خضات وحروب داخلية انتهت بتوقيع إتفاق الطائف، الذي فقد قيمته بسبب ظروف توقيعه وطريقة تطبيقه. المطلوب اليوم هو إعادة التفكير في شكل الدولة: هل تبقى مركزية؟ أم تتحوّل إلى نظام فدرالي أو لامركزي موسّع؟ الأهم هو أن يكون النظام الجديد قائمًا على الشراكة الفعلية، مع إقتناع جميع المكوّنات الحضارية اللبنانية بـنهائية الكيان اللبناني، مما يضمن إستقرارًا دائمًا بعيدًا من الحروب والصراعات والتغييرات في أنظمة الدول المحيطة بلبنان.
3- وقف العمل بمراسيم التجنيس العشوائي وضبط منح الجنسية: لبنان لا يتحمّل تجنيسًا عشوائيًا يغير توازنه الديموغرافي، كما حدث في العام 1994. يجب إعادة دراسة ملفات التجنيس السابقة التي كانت قائمة على الزبائنية السياسية والإهمال والفساد الإداري، ومنح حق الجنسية فقط لمن يستحقه قانونًا، في إطار رؤية شاملة تحفظ الخصوصية اللبنانية تراعي المصلحة الوطنية والتوازنات الديموغرافية.
4- حل أزمة أموال المودعين وإعادة هيكلة النظام المالي والمصرفي: بعد أزمة العام 2019، انهارت الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني، مما أدى إلى أزمة مالية ونقدية واحتجاز أموال المودعين. ولاستعادة الثقة، يجب وضع خطة واضحة لاسترداد أموال المودعين، ومحاسبة المسؤولين عن الإنهيار، وتحديث قانون النقد والتسليف بما يضمن إستقلالية مصرف لبنان، ووضع نظام مصرفي عصري شفاف وخاضع للرقابة الحقيقية.
5- إصلاح القضاء لضمان العدالة ومحاسبة الفاسدين: لا يمكن لأي دولة أن تنهض من دون قضاء مستقل ونزيه. والمطلوب إقرار قانون إستقلالية السلطة القضائية، وتفعيل دور التفتيش القضائي، وتحصين القضاة من الضغوط السياسية، والتصدي للتدخلات السياسية في العمل القضائي التي تجلت، على سبيل المثال، في رفض توقيع التشكيلات القضائية. كما يُستحسن إنشاء محكمة خاصة بصلاحيات واسعة تهتم بجرائم الفساد والمال العام منذ بداية الحرب حتى اليوم.
6- مكننة الإدارة العامة وتطويرها لمكافحة الفساد وتسريع المعاملات: تعاني الإدارة العامة من الترهل والفساد والبيروقراطية. والحل يكون بمكننة الخدمات الإدارية، واعتماد الحوكمة الرقمية، وتقليص الإحتكاك بين المواطن والموظف، مع فرض رقابة صارمة ومحاسبة فورية لأي خلل. بالإضافة إلى ذلك، يجب تحصين نظام البيانات من عمليات الإختراق والهجمات السيبرانية.
7- إصلاح المالية العامة ضمن خطة متكاملة لتحديث البنية التحتية: يجب أن يتحوّل الإنفاق العام من باب للهدر إلى باب للإستثمار. يبدأ الإصلاح بإقرار موازنة شفافة، ومراجعة الرواتب وعدد الموظفين المنتجين، وتوجيه الإنفاق نحو مشاريع إنتاجية: تحديث البنى التحتية، وتطوير طرق الجباية، وتحديث القطاع العقاري والجمركي من أجل تحقيق عدالة ضريبية قائمة على أسس علمية واضحة.
8- تحقيق الشراكة مع الإغتراب اللبناني كرافعة للإنقاذ والإستثمار: يشكّل المغتربون اللبنانيون قوة اقتصادية وازنة. والمطلوب إعادة بناء الثقة معهم، وتقديم الحوافز للإستثمار في بلدهم، سواء في القطاع الصناعي والسياحي والتكنولوجي، وربطهم بالمشاريع الإنمائية من خلال آليات شفافة وعصرية بعيدًا من الكيدية السياسية.
9- إعتماد سياسة خارجية حيادية متوازنة تحفظ إستقرار لبنان: أصبح خروج لبنان من سياسة المحاور ضرورة. يجب اعتماد الحياد الإيجابي، والإنفتاح على جميع الدول العربية والدولية من دون الإرتهان لأي محور. كما يجب الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار، بعيدًا من التدخل في شؤون الآخرين، والعمل على إيجاد حل للاجئين الفلسطينيين خارج إطار بقائهم في لبنان ضمن أي حل مستقبلي.
10- إطلاق خطة طاقة وطنية مستدامة: نظرًا للإستنزاف المستمر لملايين الدولارات في قطاع الكهرباء من دون تحقيق النتائج المطلوبة، يجب وضع خطة مستدامة تعتمد على الطاقة المتجددة (شمسية، هوائية ومائية)، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في الإنتاج والتوزيع. بالإضافة إلى ذلك، يجب تحرير قطاع الكهرباء من الهيمنة السياسية وإنشاء هيئة ناظمة مستقلة.
11- تطوير القطاع الصناعي والزراعي: لا يمكن للبنان أن يتطوّر في ظل اقتصاد ريعي. لذا، يجب دعم الصناعة المحلية عبر إعفاءات وتسهيلات، وتشجيع الصناعات التكنولوجية المتطوّرة. كما يجب دعم الزراعة المستدامة وتصدير المنتجات اللبنانية، مما يقلّل الإعتماد على الإستيراد ويرفع تنافسية المنتجات الوطنية.
12- إصلاح النظام التربوي وإعادة بناء الجامعة اللبنانية: لا يمكن للبنان أن ينهض من دون نظام تعليم نوعي. والمطلوب تحديث المناهج التعليمية لتكون عصرية ومتوافقة مع سوق العمل. كما يجب دعم الجامعة اللبنانية ماليًا وأكاديميًا لتكون قادرة على منافسة الجامعات العالمية واستقطاب الكفاءات، وعقد إتفاقيات الشراكة في الأبحاث وتبادل الخبرات مع الجامعات الكبرى حول العالم.
لبنان بحاجة إلى عقد وطني جديد، لا يقوم على الشعارات بل على العمل الجدي، والمصارحة، والمحاسبة، والشراكة الحقيقية. إن تحقيق هذه الرؤية ليس مستحيلاً، بل يتطلب فقط إرادة سياسية حقيقية ودعمًا شعبيًا صادقًا. فإما أن ننهض معًا أو نسقط جميعًا في مستنقع الفوضى والتبعية والإنهيار.























