(المسيرة – واشنطن) تتركز الأنظار من جديد نحو موقف الإدارة الأمريكية تجاه لبنان بعد الجولات المكوكية التي تولاها المبعوثون الأميركيون بدءا من آموس هوكستين مرورا بالسيدة مورغان أورتاغوس ووصولا إلى الموفد ذي الأصول اللبنانية الزحلاوية توم برّاك، وقبلهم عدد كبير من الموفدين الأميركيين الذي عملوا على خفض التوترات بين لبنان وإسرائيل على مدار الأعوام الماضية. ولا بد بداية من الملاحظة أن موقف الإدارات الأميركية أكانت جمهورية أم ديمقراطية شهد ثباتا منذ انسحاب جيش الاحتلال السوري من لبنان، حيث عبرّت الإدارات الأميركية عن دعمها لسيادة واستقلال لبنان بالفعل لا بالقول فقط، حيث أكدت واشنطن أن المساعدة الأمنية الأمريكية للجيش اللبناني ولقوى الأمن اللبنانية تشكل ركنًا أساسيًا من أركان سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان، والرامية إلى تعزيز سيادته، وتأمين حدوده، ومواجهة التهديدات الداخلية، وعرقلة تسهيل الإرهاب. وتشمل مجالات التعاون الرئيسية أمن الحدود، والأمن البحري، وبناء المؤسسات الدفاعية، ونقل الأسلحة، ومكافحة الإرهاب. وقد بلغ حجم المساعدات الأميركية منذ العام 2006، أكثر من ثلاث مليارات دولار للجيش اللبناني والتي مكنته من أن يكون قوةً داعمةً للاستقرار في مواجهة التهديدات الإقليمية. وقد حددت هذه الإدارات الثوابت تجاه لبنان وفق أهداف استراتيجية عدة منها أهداف المساعدات الأمريكية: دعم استقرار لبنان ووحدته الوطنية، ومساعدته على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، والمساعدة في تعزيز سيادة القانون، وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، بما في ذلك القرار 1701. ودعم جهود لبنان في مكافحة الإرهاب، من خلال تقديم المساعدات الأمنية والتدريب للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وأيضا دعم التنمية المستدامة في لبنان، من خلال الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، وتمكين الشباب والنساء.
تاريخ الوساطة الأميركية غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل
بعد حرب تموز 2006 قادت الدبلوماسية الأميركية برئاسة كوندوليزا رايس المفاوضات من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب التي بدأها حزب الله غير آبه كعادته بقرار وبمصير اللبنانيين، ونجحت الوساطة الأميركية باعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 بالإجماع في الحادي عشر من آب 2006، بعدما استمرت الحرب 34 يوماً، وعندها ردّد الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله عبارته الشهيرة “لو كنت أعلم”، ومنذ ذلك الحين وفي حين تواصلت الخروقات الإسرائيلية للقرار على مدار الأعوام الماضية وصولا إلى ما جرى في حرب الإسناد التي أطلقها حزب الله، فقد واصل هذا الحزب في المقابل ليس فقط خرق القرار 1701 وتعداه وصولاً إلى الخروج على نصوص اتفاق الطائف واجماع اللبنانيين، وتمّسك بسلاحه بناء لأوامر ولي الفقيه.
عام 2011 دخل الأميركيون على خط مفاوضات ترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، ويومها اقترح الدبلوماسي الأميركي السابق فريدريك هوف آنذاك ما عُرِف بخط هوف (H) الواقع إلى شمال الخط 23، ولكن إلى جنوب الخط1 الذي طالبت به إسرائيل، ومن شأن ذلك الاقتراح أن يضع نحو نصف حقل قانا وحقل كاريش بالكامل في حوزة الإسرائيليين، لكنه سيمنح لبنان نحو 480 كيلومترا مربعا إضافيا على ما تطالب به إسرائيل، وهو ما اعتبره الأميركيون آنذاك تنازلا كافيا لصالح لبنان. وفي النهاية، لم تتمخض تلك المفاوضات عن اتفاق حاسم بين الطرفين، وحمَّل الوسيط الأميركي حكومة رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي المسؤولية.
وفي 16 شباط من العام 2018، دخلت أميركا بالوساطة مجدداً بين لبنان والكيان الموقت عبر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد، وأعاد ساترفيلد اقتراحات هوف عام 2012 لرسم الحدود البحرية بين الطرفين، واستمر ساترفيلد بمفاوضاته مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي إلى أن تمّ تعيين ديفيد شينكر خلفاً له في أيلول 2019. وبعد ذلك تسلم مهمة الوساطة المبعوث الخاص لشؤون الطاقة الدولية في وزارة الخارجية آموس هوكستين، حيث توصل في السابع والعشرين من أكتوبر عام 2022 إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان.
واستمر الوضع على ما هو عليه إلى أن دخل حزب الله في حرب الاسناد إثر إندلاع حرب غزة حيث دخلت أميركا مجددا على خط التهدئة على الجبهة الجنوبية واستطاعت إثر جولات مكوكية من الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024.
الوضع الحالي والتحذير الأميركي العالي النبرة
بعد الجولات الثلاث التي قام بها المبعوث الأميركي توم براك وتبلغه الرد اللبناني على الورقة الأميركية ومن ثم تبلغ لبنان الرد الأميركي على الردود اللبنانية، تقدم برّاك إلى موقع الهجوم بعدما تميزت مواقفه وتصريحاته التي كان يدلي بها علنا بعد كل جولة يقوم بها في بيروت، بأنها تضمنت رسائل في غير اتجاه وتذبذبا في موقف واشنطن وتوضيحات لاحقة لمواقف صدرت عنه ولا سيما تحذيره من إمكانية ضم لبنان إلى ما وصفه ببلاد الشام. وفي حين لم تحدد الإدارة الأميركية أي موعد جديد لزيارة مرتقبة يقوم بها برّاك مجددا إلى لبنان، بدا من موقفه العلني الأخير بأنه أنجز مهمته وما على السلطة اللبنانية والحكومة إلا التنفيذ، حيث أعلن صراحة أن مصداقية الحكومة اللبنانية تعتمد على قدرتها على مطابقة الأقوال بالأفعال، في مسألة تنفيذ حصر السلاح، وذلك، رداً على تصريح للرئيس اللبناني جوزف عون الذي يقر فيه ببطء تقدم مفاوضات نزع سلاح حزب الله. وشدد براك على أنه كما كرر قادة لبنان مراراً، فإنه من المهم أن تحتكر الدولة حمل السلاح. وقال إنه ما دام حزب الله يحمل السلاح، فإن الكلمات لن تكفي. وأكد أن الحكومة وحزب الله يجب أن يلتزما بالكامل ويتحركا الآن، من أجل ألا يحكما على الشعب اللبناني بأن يتخبط في الوضع القائم. وبناء عليه تلخص مصادر متابعة في واشنطن موقف الإدارة الأميركية وفق النقاط التالية:
أولا: تكثيف الضغوط الدبلوماسية على لبنان من دون عقد لقاءات لموفدين أميركيين من أجل الإسراع بإصدار قرار رسمي من مجلس الوزراء يلزمه بنزع سلاح حزب الله قبل استئناف المحادثات بخصوص وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
ثانيا: وقف مساعي الوساطة الأميركية إذا لم تتخذ السلطة اللبنانية القرار التنفيذي والجدول الزمني حول كيفية تسلم سلاح حزب الله جنوب وشمال الليطاني، وتاليا الإحجام عن الضغط على إسرائيل في حال أقدمت على توسيع عملياتها في لبنان ضد حزب الله.
ثالثا: إن كل ما يهم الإدارة الأميركية هو دخول لبنان مرحلة الاستقرار بعد أعوام من الاضطرابات الأمنية والاقتصادية، وتعتبر أنه في ضوء المتغيرات الحالية في المنطقة لا سيما بعد هزيمة وكلاء إيران من لبنان إلى غزة واليمن، وتراجع الدور الإيراني، وسقوط نظام بشار الأسد، فإن لبنان يكون قد تخلص من إرث ثقيل للأزمات الإقليمية التي انعكست سلبا على الواقع اللبناني طوال عقود، وبات لبنان اليوم على قاب قوسين أو أدنى من الخروج من هذا النفق تمهيدا لبدء مسيرة النهوض على الصعد كافة، وعليه يتوجب على السلطة الحالية وفق ما تراه واشنطن، أن تبدأ بالخطوات العملية لمواكبة هذه المتغيرات وإلا فإن لبنان سيفوت عليه هذه الفرصة المتاحة وتاليا لا يمكن عندها توقع ما سيتركه تخلف لبنان من المزيد من الانعكاسات السلبية، مع ما يعني ذلك من أن أميركا ستترك لبنان لمصيره.
رابعا: تعتبر الإدارة الأميركية أن مقومات النهوض اللبناني متوافرة اليوم أكثر من أي وقت مضى لكن الكرة تبقى في ملعب السلطة الحالية لكي تحزم أمرها، على أن يشكل ذلك مدخلا لمساعدة لبنان في المجالات كافة، وهذا ما يفسر إحجام الدول المانحة عن أي خطوة باتجاه مساعدة لبنان طالما لم تجد هذه الدول الأرضية المناسبة للتحرك في ضوء فشل كل المحطات ومؤتمرات الدعم السابقة.
شخصية السفير الأميركي الجديد وتخليه عن جنسيته اللبنانية
كان لافتا أن الكلمة المكتوبة التي ألقاها ميشال عيسى الذي رشحه الرئيس ترامب ليكون سفيرا أميركيا في لبنان في جلسة الاستماع، تضمنت سلسلة من الرسائل أولها للمشرعين الأميركيين، وثانيها لكيفية تنفيذه سياسة الإدارة الحالية تجاه لبنان في حال التصديق على تعيينه.
أولا: هو بدأ بتعريف أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بأصوله اللبنانية، وإدراكه طبيعة المجموعات اللبنانية، وتاليا إظهار قدرته على تنفيذ مهمته الدبلوماسية باسم بلده الثاني انطلاقا من كونه يعرف ما يمكن وصفه بزواريب السياسة اللبنانية، وإقناع اللجنة بأسباب التصديق على تعيينه. وقد خاطب السفير الجديد أعضاء اللجنة قائلا إن مثوله أمام لجنة العلاقات الخارجية يشكل دليلا على الوعد الدائم للحلم الأمريكي، الذي سمح لشابٍّ وُلد في بيروت بأن يصبح مصرفيًا ورجل أعمال، والآن، موظفًا حكوميًا.
واعتبر أنه إذا تم تثبيت تعيينه، فهو سيكرّس نفسه بالكامل لتعزيز المصالح والقيم الأمريكية في لبنان.
وأضاف أنه وُلد في بيروت وتلقى تعليمه في فرنسا، لكنه قضى معظم حياته في الولايات المتحدة وهو يفهمُ عن كثب تعقيد المجتمع اللبناني. وسيوجّه معرفته العميقة بالتركيبة الطائفية المعقدة للبلاد مجتمعاتها وتاريخها وتوتراتها جهوده لبناء الجسور، وتعزيز الوحدة، ودعم المؤسسات الديمقراطية التي تخدم جميع المواطنين اللبنانيين.
وأضاف أنه إذا تم تأكيد ترشيحه، فسيكون شرفًا له لكي يعود إلى موطنه لخدمة الولايات المتحدة، الأمة التي منحته كل فرصة. وأضاف أنه بقي على صلة وثيقة بلبنان على مر السنين، وشهد صمود شعبه رغم تقويضه المتكرر بسبب الفساد، وسوء الإدارة الاقتصادية، والتأثير العنيف لحزب الله وداعميه الإيرانيين.
ثانيا: هو طمأن المشرعين الأميركيين لجهة التزامه بأداء مهمته كممثل للولايات المتحدة لدى لبنان، ولا يقدم عليها بأي شكل من الأشكال مصالح لبنان على مصالح أميركا، حيث أعلن صراحة أن التزامه بهذه المهمة كسفير أميركي، وبخدمة الولايات المتحدة، هو التزامٌ مطلق. وأبلغ أعضاء اللجنة علنا أنه من أجل تجنب أي تضارب محتمل في المصالح، ولإثبات ولائه للولايات المتحدة وحدها، فهو تخلّى طواعيةً عن جنسيته اللبنانية. وقال إن هذا القرار لم يكن سهلاً ولم يكن مجرد امتثالٍ قانوني، بل كان إقرارًا شخصيًا بواجبه في خدمة الشعب الأمريكي ودعم مصالح الولايات المتحدة فوق كل اعتبار.
السياسة التي سيطبقها السفير الجديد
اختار السفير الجديد كلماته بعناية وهي جاءت مطابقة لسياسة الإدارة الحالية وللمواقف التي أطلقها المسؤولون الأميركيون تجاه لبنان وتمحورت كملته حول محاور عدة:
الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، على الرغم من آثارها المدمرة، فتحت نافذة ضيقة، ولكنها ذات مغزى للتقدم. منذ أن نجحت الولايات المتحدة في التوسط لوقف الأعمال العدائية في نوفمبر الماضي، شهدنا تطورات واعدة: رئيس ورئيس وزراء مستقلان، ذوا توجه إصلاحي، وملتزمان برسم مسار مختلف لبلدهما. إن التصعيد بين إيران وإسرائيل يُذكرنا بمدى حساسية هذه الفرصة، والتي قد تُهدر إذا جرّت إيران لبنان إلى مسار الصراع.
وأوضحت الحكومة أنها لن تتسامح مع أي انتهاكات لوقف الأعمال العدائية، ومنذ تطبيقه، بدأت في كبح نفوذ حزب الله، ولكن لا بد من بذل المزيد من الجهود على وجه السرعة. إن نزع سلاح حزب الله بالكامل ليس خيارًا، بل هو أمر ضروري. الآن هو وقت التحرك.
كما يجب على الولايات المتحدة أن تواصل قيادة الجهود لاغتنام فرصة تاريخية حقيقية لترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان، وتحقيق تطبيع العلاقات بينهما.
في مسألة الإصلاحات الاقتصادية ودعم لبنان قال السفير الجديد:
الفرصة لا يمكن أن تأتي من دون شفافية. لقد تضرر الاقتصاد اللبناني، ليس فقط بسبب الحرب وعدم الاستقرار، ولكن أيضًا بسبب الممارسات المالية الغامضة وانعدام ثقة الجمهور. يجب أن تترافق إعادة بناء لبنان مع إصلاحات جادة تضمن التوزيع الشفاف للمساعدات والاستثمارات. فلا يحتاج البلد إلى مزيد من الاعتماد على المانحين، بل يحتاج إلى حوكمة نزيهة تجذب استثمارات حقيقية ومستدامة. في حال تأكيد تعييني، سأعمل بشكل وثيق مع شركائنا الدوليين لتعزيز المساءلة المالية ودعم الانتعاش الاقتصادي والنمو على المدى الطويل.
يجب ألا يكرر مبلغ الـ 11 مليار دولار المطلوب لإعادة الإعمار إخفاقات فترة ما بعد العام 2006، عندما سيطر حزب الله وداعموه على جهود إعادة الإعمار لتوسيع قبضتهم على الجنوب.
وحول دور الجيش والقوى الأمنية قال السفير الجديد إنه في هذه المرة، يجب علينا تمكين الدولة اللبنانية الشرعية والمؤسسات المدنية من إعادة البناء بمسؤولية ونزاهة، ودون تدخل من جهات خبيثة وستكون القوات المسلحة اللبنانية محورية في هذه المهمة. على مر السنين، أثبتت القوات المسلحة اللبنانية أنها شريك موثوق. وبفضل الدعم الأمريكي، تتخذ الآن خطوات ملموسة لفرض وقف الأعمال العدائية وتفكيك البنية التحتية لحزب الله في الجنوب.
وأضاف أن هناك حاجة إلى المزيد، لكن هذه الجهود تُظهر قيمة تعاوننا الأمني المستمر. في حال تأكيد تعييني، سأعمل مع الرئيس عون والحكومة اللبنانية والجيش اللبناني لضمان استعادة سيادة لبنان كاملةً.
وختاما، في ضوء مواقف السفير الجديد، وما تترقبه الولايات المتحدة من لبنان في المرحلة المقبلة، يبقى أن نكرر أن ثوابت السياسة الأميركية تجاه لبنان لم تتغير، ولكن تبقى المسؤولية على الدولة اللبنانية لكي تنهض من جديد وتستعيد دورها بين المجموعة الدولية.























