عندما يتطاول أسياد “الدويلة» على سيد بكركي…من عركة ل عركة!

​لم يعد التطاول على بكركي والبطريرك بشارة الراعي حدثاً عابراً في الحياة السياسية اللبنانية، بل أصبح مؤشراً خطيراً على انهيار منظومة القيم الوطنية وتحوّل لغة التخوين إلى أداة لترهيب كل صوت سيادي وطني حر. فهل يكفي أن نسمع من هنا وهناك بيانات استنكار خجولة ومواقف مائعة، بينما رأس الكنيسة المارونية، الذي حمل على عاتقه منذ قرون همّ حماية الكيان اللبناني، يُهاجم فقط لأنه دعا بكل صدق ومحبة ورقي حضاري إلى الكفّ عن تحويل لبنان إلى ساحة لصراعات الآخرين؟
​والأخطر من ذلك أن الدولة، بكل مؤسساتها، تلتزم الصمت، وكأن الكلمة الحرة صارت خطراً على “الاستقرار الوهمي”. لكن هل الصمت عن الحق هو جزء من المشاركة في الباطل؟
​هل هكذا يُكافأ البطريرك الراعي؟ هذا السؤال يتردد صداه اليوم في كل بيت لبناني، فهل يُعقل أن يُهاجم البطريرك الراعي، وهو الذي كان سبّاقاً في مد يد العون للنازحين من الجحيم الصهيوني؟ لقد أمر بفتح الكنائس في كل لبنان لاستقبال العائلات المُهجّرة، وطلب من “كاريتاس” أن تسهر على تأمين الطعام والفرش والدفء لهم، كي لا يجوع طفل ولا يبرد شيخ ولا تُهان كرامة امرأة. أليس هذا جوهر الإنسانية التي التقت عليها الديانات جميعاً؟ إن من يُقابل هذا الموقف الإنساني بالاتهامات الباطلة لا يهاجم شخص البطريرك، بل يهاجم قيم لبنان الأساسية التي قامت عليها فكرة الوطن.
​إن ما يزيد من خطورة هذا المشهد هو بروز أصوات من رأس إحدى المؤسسات الدينية الرسمية لقيادة ورعاية خطاب التخوين. فهل حديث المفتي الجعفري أحمد عبد الأمير قبلان يليق بتاريخ هذا الموقع الذي لطالما دعا إلى الحوار والاعتدال؟ وهل كلام المفتي الجعفري ينسجم مع موقع الإفتاء الجعفري الذي أسسه السيد موسى الصدر؟ هل هذه تعاليم الإمام علي؟ هل هكذا أوصى الحسن والحسين ابنا علي؟ هل هكذا أوصى أئمة جبل عامل؟ هل هكذا أوصى المرجع محمد حسين فضل الله؟ هل هكذا أوصى الشيخ محمد مهدي شمس الدين؟ هذا من ناحية الأخلاق الدينية. أما من الناحية الوظيفية-الإدارية، هل يحق لموظف حكومي، يتقاضى راتبه من الدولة ويشغل فيها منصباً رسمياً، أن يهاجم رئيس حكومته القاضي نواف سلام ورأس الكنيسة المارونية بهذا الأسلوب غير المقبول وغير المتناسب مع موقعه الديني والرسمي؟ إن هذا السلوك لا يمثل فقط خروجاً عن البروتوكول، بل هو تسخير للمؤسسات الدينية الرسمية لخدمة أجندة سياسية ضيقة، وهو ما يضعنا أمام سؤال جوهري: هل يجوز أن ينزلق المفتي الجعفري بأسلوبه غير المقبول وغير المتناسب مع موقعه بهذه الخفة؟
​بين سلاح حزب الله وسلاح الكلمة، لم تعد القضية قضية شخص أو مؤسسة دينية، بل هي قضية وطن يتهاوى أمام سطوة إرهاب السلاح غير الشرعي وثقافة الإلغاء والكراهية والحقد. كل صوت يطالب بتسليم سلاح حزب الله يُتهم بالعمالة، تماماً كما اتُّهم البطريرك الراعي ورئيس الحكومة نواف سلام، وكما يُتهم أي مواطن وسياسي سيادي. فهل تحوّل الدفاع عن لبنان الحر المستقل إلى جريمة؟
​إن الهجوم على البطريرك وعلى رئيس الحكومة ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من محاولات إسكات الأصوات السيادية. الصمت الرسمي، وصمت رئيس مجلس النواب على وجه الخصوص، لا يُفسَّر إلا بواحدة من حقيقتين: إمّا رضوخ كامل لمنطق السلاح، أو مشاركة ضمنية في مشهد الإلغاء. وفي الحالتين، الثمن هو لبنان بكل مكوناته.
​البطريرك الراعي ليس وحيداً. بكركي ليست مكسر عصا. بكركي كانت وستبقى صوت الضمير اللبناني العابر للطوائف، صوت الحرية الذي لن يُطفَأ، مهما علت أصوات الترهيب والتخوين. واللبنانيون، كل اللبنانيين، مدعوون إلى رفع الصوت دفاعاً عن مرجعياتهم السيادية، لأن السكوت اليوم يعني تسليم لبنان إلى منطق القوة على حساب منطق الدولة. وليتذكر الذين يُسكرون اليوم من “زعرور” السلاح ولا يعرفون التاريخ جيدا، المقولة الشعبية:
​بكركي من عركة لعركة…لا نورها ولا زيتها شحّ
​كلّن عم يحكوا تركي…وحدها بكركي بتحكي صحّ
​فإذا تقلب العملاء وغيروا لغتهم من التركية إلى السورية واليوم الإيرانية، ستبقى بكركي منارة للشرق وحارسة لبنان التي لا تتعب ولا ينضب زيتها، ودائماً أبداً ستبقى صوت الحق والحقيقة.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حكاية صورة

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?