المسيرة- التضحية بالروح هي أعلى درجات العطاء، لكن ما يعطي التضحية قيمتها وقدسيتها هو الهدف. في لبنان، حيث تتداخل المفاهيم وتتشابك الروايات، يبرز فارق جوهري بين شهداء سقطوا من أجل وطن، وشهداء سقطوا من أجل مشروع عقائدي.
شهداؤنا سقطوا دفاعًا عن لبنان، دفاعا عن 10,452 كيلومترًا مربعًا. لقد اختار هؤلاء الأبطال التضحية من أجل دولة تعددية حرّة ومستقلة، تحفظ كرامة أبنائها ومعتقداتهم وتحمي أرضها من أي وصاية أو تدخل أجنبي. كان هدفهم واضحًا: الحفاظ على سيادة لبنان ورفض أي مشروع يربطه بمصالح خارجية. لقد ضحّوا بأنفسهم من أجل وطن يتّسع للجميع، دولة تقوم على القانون وتحقق الرخاء والتقدم لكل مواطنيها، بغض النظر عن دينهم ومعتقداتهم واحزابهم. شهداؤنا سقطوا كي يحيا الجميع بفرح واطمئنان.
شهداؤكم سقطوا في سياق مشروع لا يرى في لبنان سوى جزء من “دولة ولاية الفقيه”. شهداؤكم سقطوا من أجل أن يكون لبنان جزءًا من الدولة الإسلامية الكبرى التي يرعاها صاحب الزمان ووليه الإمام الخامنئي. هذا المشروع لا يؤمن بمفهوم السيادة الوطنية ولا الحرية الشخصية ولا يقيم وزنا للتعددية الفكرية والعقائدية، بل يربط مصير البلاد بمصالح طهران، ويحوّل الأرض إلى مجرد قاعدة متقدمة على البحر المتوسط. هؤلاء الشهداء، على رغم شجاعتهم، لم يختاروا الوطن بمعناه الحقيقي، بل اختاروا الشهادة كجزء من عقيدة دينية تهدف إلى بناء إمبراطورية إسلامية كبرى. شهداؤكم سقطوا بتكليف ديني يحمل في ادبياته عشقا للشهادة والموت من أجل مشروع في ظاهره ديني وفي باطنه سلطوي لا يأخذ في الإعتبار قيمة الإنسان الحضارية بمفهومها الإنساني.
الفارق الجوهري بين الشهادتين ليس في التضحية بحد ذاتها، بل في الغاية التي من أجلها أُريقت الدماء.
شهداؤنا رفعوا راية لبنان، وحموا تاريخه وثقافته وحدوده ومستقبله من عبث الأطماع الخارجية، وآمنوا أن لبنان كيان قائم بذاته.
شهداؤكم، وعلى رغم إخلاصهم، أصبحوا جزءًا من مشروع أممي ديني لا يأخذ في الاعتبار مصير اللبنانيين أو اقتصادهم، لأن الهدف الأسمى بالنسبة لهم هو تحقيق “الغاية الإلهية”.
إن التضحية من أجل السيادة والحرية تختلف اختلافًا جذريًا عن التضحية من أجل الولاية والتكليف الديني.
بين وطن تعددي حر ومستقل، ووطن تابع وخاضع محكوم بقبضة الحق الإلهي والتكليف الشرعي، سقط شهداؤنا حبا بالحياة وسقط شهداؤكم عشقا للموت.
شهداؤنا سقطوا في مواجهات من أضللوا الطريق واعتقد أن طريق فلسطين تمر في جونية، في ما سقط شهداؤكم ضحايا شعارات السير على طريق القدس من دون تخطيط ولا خرائط.
شهداؤنا سقطوا من أجل ١٠٤٥٢ كلم مربع وسقط شهداؤكم من أجل وعد غيبي بأرض لا حدود لها. سقط شهداؤنا ضد كل عدو غاشم يطمع بلبنان وسقط شهداؤكم في صراع لا ينتهي ضد كل من لا يؤمن بولاية الفقيه.























