بين سطور خطاب الحكيم

عقد اجتماعي جديد لبقاء الوطن

المسيرة-​منذ أكثر من قرن، واللبنانيون يركضون خلف أوهام التاريخ والموروثات الشعبية، يخلطون قصصاً شعبيةً بمعتقداتٍ مذهبيةٍ ليخلق كل فريقٍ انتماءً وطنياً يشبه أوهام أجداده. هذا الوضع جعلهم جميعاً غارقين في دوامةٍ من الصراعات والفتن التي أهدرت دماءهم وبددت أحلام شبابهم. مئةٌ وخمسةٌ وعشرون عاماً من الألم والدموع، من الهزات السياسية والاجتماعية، ألا يكفي هذا التاريخ المثقل بالجراح كي ندرك أن لا خلاص لنا إلا بهويةٍ وطنيةٍ واحدةٍ وجامعةٍ؟
​منذ إعلان دولة لبنان الكبير، لم ينجُ البلد من الجدل حول هويته: بين قوميةٍ لبنانيةٍ وأخرى سوريةٍ وثالثةٍ عربيةٍ، تضاف إليها الانقسامات الطائفية والدينية التي عمّقت الشرخ بدل أن تبلسمه. فصار لبنان أشبه بأرض زلازل سياسية تتكرر مع كل تبدلٍ في الرياح الإقليمية، ليُعاد الشعب في كل مرةٍ إلى نقطة الصفر: تهجيرٌ ودمارٌ وانهيارٌ. وحتى لحظات الازدهار التي عرفها لم تكن سوى محطاتٍ عابرةٍ ومرتبطةٍ بتقاطع مصالح خارجيةٍ سرعان ما تتبدد عند أول هزة.
​وهنا يطل السؤال الجوهري: ألم يحن الوقت لنقد الموروثات القديمة وتنقيتها؟ ألم يحن الوقت لندرك أن مجازر 1860 لم تكن بسبب لعبة “كُلة” ولا كانت »بواسطة عين الرمانة»الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية عام 1975 ؟ ألم يحن الوقت للعمل معاً على بناء هويةٍ وطنيةٍ جامعةٍ، قائمةٍ على إيمانٍ مشتركٍ بالمصير الواحد، تؤسس لعقدٍ اجتماعيٍ متينٍ يقود إلى دولةٍ قويةٍ وعادلةٍ؟ إلى متى سنبقى أسرى الماضي نستحضر أوهام الإمبراطوريات والتاريخ المجيد، بينما المستقبل يلوح لنا ككابوسٍ مخيفٍ؟
​إن دروس التاريخ والفكر السياسي واضحة. فالفيلسوف العربي ابن خلدون أشار منذ قرون إلى أن الرابط الجامع أو “العصبية” هو الشرط الأول لقيام الدول واستمرارها. وبدون هذه العصبية الوطنية الشاملة، تبقى المجتمعات مفتتةً وعاجزةً عن بناء وطنٍ مستقرٍ. أما الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون، فقد بيّن أن الجماهير حين تنقاد إلى العصبيات الضيقة، تفقد عقلانيتها وتغرق في الفوضى، بينما الشعوب التي تنجح في صياغة رابطةٍ وطنيةٍ جامعةٍ تنتقل من الانفعال إلى الفعل الحضاري البنّاء.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

​التجارب العالمية شاهدةٌ على هذه الحقيقة. فسويسرا، رغم تعدد لغاتها ومذاهبها، استطاعت بناء وحدةٍ متينةٍ. وكندا حوّلت ثنائيتها الثقافية إلى غنىً وازدهارٍ. أما الولايات المتحدة، فبفضل عقدها الاجتماعي، تمكنت من جمع شعوبٍ متعددة الأعراق والثقافات في هويةٍ وطنيةٍ عليا. القاسم المشترك بين هذه التجارب كان وجود عقدٍ اجتماعيٍ عادلٍ ومُلزِمٍ، يجعل الانتماء للوطن هو القاعدة التي تعلو على كل اختلاف.

اليوم، لبنان بأمسِّ الحاجة إلى خطوةٍ مماثلةٍ: عقدٍ اجتماعيٍ جديدٍ يعيد المساواة بين المواطنين أمام القانون، يحرر القرار الوطني من الارتهان للخارج، ويحوّل التعددية إلى تنوّعٍ خلاّق. عقدٌ لا يلغي الطوائف، بل يضعها جميعاً تحت سقف دولةٍ عادلةٍ تحميها عبر دستورٍ متوازنٍ ومؤسساتٍ قويةٍ.

​بعد 125 عاماً من الصراع على الهوية، لم يعد بوسع اللبنانيين تكرار أخطاء الماضي. الهوية الوطنية الجامعة لم تعد ترفاً أو شعاراً رومانسياً، بل أصبحت شرطاً وجودياً لبقاء الوطن. فإما أن نتوحد على لبنان، أو نترك لبنان يتلاشى من بين أيدينا.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?