تحوّلت صخرة الروشة إلى مرآة تختصر وطنًا. فبين دولة عالقة في الفراغ وشعب يقف على صخرة وهمٍ، يكمل الانهيار طريقه بشكل مأساوي، لا يختلف عن تكرار الخطابات السياسية الرتيبة.
منذ العام 1975، يعيش لبنان مشهدًا أشبه بالوقوف على حافة الهاوية. إنها صخرة الانتحار التي ترتفع فوق بحر هائج، تتأرجح بتأثير أوهام مستوردة تقلب التوازن الداخلي يمينًا ويسارًا. كل وهم أقام خيمته على طرف من أطراف الصخرة؛ بعضهم نسي رايته وأصبحت مجرد ذكرى، وبعضهم ما زال يتمسك براياته الممزقة كأوهامه، يبرّر عجزه بشعارات “الصمود”، بينما لم يتبق من الوطن إلا بصيص أمل يخفت مع الوقت.
كيف تقنع مواطنًا غارقًا في الإنكار بأن البلاد لم تعد تحتمل إدارة الانهيار؟ كيف تقنع مواطنا مشحونا بالسذاجة بأن سد المسيلحة لا يجمع ماء، وأن بواخر الطاقة كانت هدرًا تحوّل إلى دين عليه وعلى أحفاده؟ كيف تقنع مخدّرًا بالوهم أن الفاسد لا يمكن أن يصلح وطنًا؟
الأصعب هو كيف تقنع الشيخ نعيم قاسم بأن الشعب ليس مجرد جمهور في مسرحية، وأن الانتخابات هي حرية اختيار وليست تكليفًا شرعيًا؟ كيف تقنعهم بأن البحر قد تلوّث ولم يعد قادرًا على غسل الصخرة يوميًا؟ كيف تقنع الدولة بأنها دولة، والقضاء بأنه ميزان عدل، والموظف بأنه خادم الشعب، والجيش بأنه حامي الوطن؟
السؤال الجوهري يظل: كيف ننزل هؤلاء عن صخرة الوهم؟ وكيف نعيد كل فرد إلى دوره الأساسي؟
السلطة في لبنان تتصرّف كما لو أنها مجرد متعهد أجنبي لا علاقة له بالجغرافيا ولا بالتاريخ، مهمته الوحيدة هي الحفاظ على “السلم الأهلي”. من يقنعها بأنها مسؤولة عن أمور أهم وأعمق من هذا السلام الهش؟ من يخبرها أن التصدعات الاقتصادية والمالية والاجتماعية تتسع يومًا بعد يوم؟
لا إصلاح إلا في الخطابات، ولا محاسبة إلا على المنابر. لا أمل في الأفق يخرج البلاد من انهيار مؤسساتها. تسويات مكررة على طريقة “تبويس اللحى”، وكأن الزمن لا يتغيّر، وكأننا نعشق الانتحار وندور أخطاء اجدادنا بطريقة مأساوية سادية محزنة في نفس الوقت.
المأساة تكمن في أن الجميع يعرف الحقيقة، لكن لا أحد يريد النزول عن الصخرة. فالنزول يعني تحمّل المسؤولية، وكسر الحلقة الجهنمية التي تدفع نحو المزيد من الارتهان لمشاريع أجنبية تجرّ على البلد الويلات.
لبنان اليوم يحتاج إلى من يصرخ في وجه كل متشبث بالوهم وعلى رأسهم حزب الله: انزل عن صخرة الجنون قبل أن تحترق البلاد من جديد.
الحل لا يكون بالهروب إلى بحر النفاق والكذب، ولا بالتمسّك برماد البطولات الوهمية ودموع التماسيح، بل بـالاعتراف بالحقيقة المرة وهي أنَّ إعادة بناء الدولة تتطلب وقفة وطنية حقيقية، تبدأ بالتوقف عن تبرير العجز والفساد، والسلاح غير الشرعي وتفرض المحاسبة دون استثناء.
صخرة الحمام في الروشة ستبقى رمزًا لجمال لبنان، لكنها أيضًا إنذار دائم بأن الوقوف فوق الهاوية، والتمسك بالوهم، سيؤدي في النهاية إلى السقوط والانتحار.























