المسيرة- شهدت الأيام الماضية تطورات قضائية متسارعة، من المطالبة باستعادة قاتل الرئيس الشهيد بشير الجميل من سوريا إلى تعيين محققين عدليين بقضايا الإغتيالات السياسية المحالة على المجلس العدلي والتي لم تشهد تحقيقات في شأنها من قبل، وذلك في خطوة لافتة من وزير العدل عادل نصّار. لكن السؤال هل يخرق القضاء في لبنان حيث تنتصب السياسة سدًّا متماسك الأجزاء؟
طبعًا يتعطش لبنان وضعًا وشعبًا ومستقبلاً آمنًا لمثل هكذا خطوات قضائية، على أن يُتاح لها أن تسلك الطريق النزيه إلى النتائج المرجوّة. لكن السؤال الدائم الحضور في مثل هذه الحالات هو هل مشكلة اختلال ميزان العدالة وتغييب الفاعلين الحقيقيين للجرائم وتجريم الأبرياء لأهداف معروفة، كان بسبب غياب القوانين والقرارات، أم بسبب مجريات التنفيذ وغياب تركيبة صالحة وقضاء فاعل يضمنان عدالة مستقيمة الميزان فوق الجميع؟
تعليقًا على قرار وزير العدل وعلى مجمل هذا المسار والواقع القضائيَّين يقول المرجع القانوني الدكتور سعيد مالك لموقع “المسيرة” “من الثابت والأكيد أنه عملاً بموجب قانون المحاكمات الجزائية فالدعاوى التي تحال إلى المجلس العدلي يعيّن بها قضاة عدليّون كقاضٍ محقق عدلي عملاً بأحكام الفقرة الثانية من المادة 360 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث يعين المحقق العدلي بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى. بالتالي فإن القضايا التي ما زالت إلى اليوم بعهدة المجلس العدلي والمحالة إليه أصولاً سندًا إلى المادة 355 أصول محاكمات جزائية، هي قيد المتابعة من خلال محققين عدليين، منهم من وصل إلى النتيجة المطلوبة وحكم بها ومنها إغتيال الرئيس الشيخ بشير الجميل، ومنها ما بقيت عالقة حتى تاريخه أمام القضاء”.
ويتابع: “أما لجهة ما إذا كانت هذه القضايا ستصل في يوم من الأيام إلى نتيجة فهذا الأمر، نتيجة المتغيرات والأوضاع العامة والمناخ العام كون لهذه القضايا منحى سياسيّ وخلفية سياسية، فبالتالي إذا كانت هناك ظروف مؤاتية لكشف النقاب عن جرائم معينة يمكن لهذا المناخ أن يسهّل عمل المجلس العدلي وصولاً إلى إصدار قراره الاتهامي وإحالة الدعوى إلى المجلس العدلي لاستكمال التحقيقات وإصدار الحكم”.
ومن القضايا التي صدرت فيها أحكام ولم تنفّذ كحالة الحكم في حق حبيب الشرتوني منفذ إغتيال الشيخ بشير الجميل، ومع مطالبة رئيس الحكومة نواف سلام السلطات السورية العمل على تسليمه للبنان، يوضح الدكتور مالك ” من الثابت أن المجلس العدلي قد لفظ حكمه بتجريم الشرتوني، وعلى السلطات اللبنانية أن تتقدّم بطلب رسمي لمطالبة السلطات السورية بإلقاء القبض على الشرتوني الذي يعبث في سوريا، من أجل تسليمه إلى لبنان من أجل قضاء محكوميته. هذا الموضوع اليوم يجب أن يبدأ بمبادرة من السلطات اللبنانية وأن يستكمل بتعاون من السلطات السورية لا سيما مع النظام الجديد في دمشق وانتهاء ما سمي بنظام الأسد”.
لكن هناك اتفاقيات موقعة بين لبنان وسوريا قد تقيّد عمل السلطات في البلدين. فإلى أي مدى هي اليوم محترمة بعد خروج النظام السوري السابق من لبنان ثم خروجه من الحكم في سوريا، وأي قوة قانونية بعد لهذه الإتفاقيات والمعاهدات؟
يوضح مالك “في ما خص الإتفاقيات الموقعة بين لبنان وسوريا وفي طليعتها معاهدة الأخوّة والتنسيق والتعاون والإتفاقيات الملحقة بها، يجب أن يُصار إلى إعادة دراستها من أجل تعديل البعض منها وإلغاء البعض الآخر، لأنها معاهدات واتفاقيات إذعان وقِّعَت من قبل الطرف اللبناني حين كانت سوريا محتلة للبنان وحين كانت تمارس الوصاية السياسية والعسكرية عليه. وبالتالي فهذا الملف يجب أن يفتح في القريب العاجل حتى تستوي الأمور بين البلدين”.
هذا في الرأي القانوني، لكن ماذا عن الواقع السياسي؟
قد يكون إحقاق الحق وتطبيق العدالة الكاملة غير الانتقائية بات حلمًا لدى اللبنانيين بعد الذي عانوه من انتهاك للقانون واستغلاله لغايات أبعد ما تكون عن الحق. اليوم يأملون خيرًا من كل خطوة ولو صغيرة أو رمزية في هذا الإتجاه لكنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن الطريق غير قصير وغير نظيف من العقبات والأشواك التي غالبًا ما اعترضت التطبيق وبدّلت النتائج.























