المغتربون صوت التغيير… من يريد إسكاته؟

المسيرة – الإنتماء إلى الأرض والوطن ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا هو مجرد خطابات رنانة تُطلق على المنابر، بل هو فعل يومي يُترجَم في المواقف، في العمل، وفي الإلتزام بالمسؤولية تجاه الوطن. بالنسبة إلى اللبنانيين، الذين عانوا من أزمات متلاحقة دفعت مئات الآلاف إلى الهجرة، تحوّل الإغتراب إلى امتحان صعب: فهل يُضعِف الإنتماء أم يُرسّخه؟
لقد أثبتت التجربة أن الإغتراب لم يُضعِف وطنية قسم كبير من اللبنانيين، بل زادها رسوخًا. فالمغترب اللبناني لم يترك وطنه خلفه، بل حمله معه حلمًا جميلًا حيثما حلّ، واستمر في دعمه بطرق ملموسة، كان أبرزها تحويلاته المالية التي أصبحت الرئة الاقتصادية الوحيدة للبنان في ظل الإنهيار الاقتصادي الكبير. ووفق تقارير البنك الدولي، بلغت تحويلات المغتربين أكثر من 6 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو ثلث الناتج المحلي، ما جعل لبنان في المرتبة الأولى إقليميًا والثالثة عالميًا من حيث نسبة مساهمة التحويلات في الاقتصاد. وتشير تقديرات إلى أن عدد المغتربين اللبنانيين يفوق عدد المقيمين بثلاثة أضعاف، فيما الأرقام المتداولة منذ عام 2018 باتت “مُخيفة”، بعد أن تحوّل لبنان إلى بقعة مظلمة غير قابلة للعيش بفعل سياسات الهدر والإنفاق غير المجدي، مما تسبب بأكبر إنهيار مالي في تاريخه سنة 2019، حتى بات أكثر من 70 في المئة من سكانه يرزحون تحت خط الفقر.
لطالما شكّل المغتربون طوق النجاة الذي تمسّك به لبنانيو الداخل منذ عهد المتصرفية. وما زال هؤلاء من أبرز أعمدة الاقتصاد اللبناني؛ إذ ظلوا يرسلون إلى أهاليهم مليارات الدولارات سنويًا ويساهمون في تنمية قراهم وتحريك العجلة الاقتصادية في مجتمعاتهم، كلما سمحت لهم الظروف الأمنية بالمجيء إلى لبنان.
لم يقتصر دور المغترب على الجانب الاقتصادي، بل شمل أيضًا حماية المجتمع من الجوع والذل. آلاف العائلات صمدت بفضل دعم المغتربين، بالإضافة الى ذلك شكل المغتربون رافعة أساسية لبلسمة جراح الوطن بعد انفجار مرفأ بيروت كما كانت لهم الأيادي البيضاء في انتزاع تعهد من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الإعتداءات الإسرائيلية على لبنان على أثر فشل حرب الإسناد التي حولت لبنان عمومًا والجنوب خصوصًا الى بحيرة نار ودمار. ما جعلهم بحق وطنيين درجة أولى، لأن الوطنية ليست مجرد إقامة جغرافية، بل إلتزام وتضحية تجاه الوطن وأهله في أحلك الظروف. وهذا ما أكده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في عدة مناسبات حين شدّد على أن “الإغتراب كان النبض الوحيد الذي ظل ثابتًا”، داعيًا إلى شراكة حقيقية تتجاوز الدعم المالي لتشمل الإستثمار، نقل المعرفة، وخلق فرص العمل. فالمغترب قادر على أن يكون ليس فقط “المُعين المالي”، بل شريكًا في القرار والتخطيط، بما يملكه من خبرات وشبكات علاقات وإرادة للتطوير.
بعد انتخابات 2009، أصبح تصويت المغتربين قضية حيوية. وقد عبّر عميد المغتربين اللبنانيين السفير فؤاد غندور عن هذا التحوّل حين دعاهم إلى المشاركة “ترشيحًا واقتراعًا على قاعدة الولاء والإنتماء للوطن الأم”، مؤكدًا أنهم بلغوا سن الرشد السياسي ولا يحتاجون إلى وصاية. فالمطلوب إخراجهم من بازار السجالات، ليكونوا الصورة الحضارية التي تعكس جوهر لبنان.
وفي السياق نفسه، يشدّد الأمين العام للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم جورج أبي رعد في حديث لإحدى الوسائل الإعلامية على أن “هناك مؤسسات مُرخَّصة تتحدث باسم الإغتراب، أولاها الجامعة اللبنانية الثقافية التي تأسست عام 1959، وبدأت العمل قانونًا وفعلًا عبر فروعها المنتشرة حول العالم، من دون احتكار أصوات المنتشرين”. ويوضح أن “الغالبية الساحقة خرجت من لبنان قسرًا، لأسباب اقتصادية أو أمنية، ومن حقها تعويض ذلك بالإقتراع لـ128 نائبًا، ومن غير المنطقي حصر التمثيل بستة نواب فقط، لأن هذا العدد لن يستطيع مواجهة الكتل النيابية الأخرى لتحقيق المطالب”.
إن حصر تمثيل ملايين اللبنانيين المنتشرين في العالم بعدد محدود من المقاعد النيابية لا يليق بحجم دورهم ولا يوازي تضحياتهم. هؤلاء الذين أنقذوا الاقتصاد وحموا الشعب يحق لهم أن يكونوا شركاء كاملين وموازين للمقيمين، لا مجرد ديكور انتخابي.
يعكس كلام عضو كتلة “حزب الله” النائب علي فياض، الذي قال فيه إن “لا تكافؤ فرص في انتخابات المغتربين وواجبنا أن نتفهم هواجس بعضنا”، صورة واضحة عن خوف “الثنائي الشيعي” من الصوت الإغترابي الحر، ورفضه المطلق لتعديل قانون انتخابات المغتربين، وتمسّكه بالقانون الحالي الذي ينص على انتخاب المغتربين لستة نواب موزعين على القارات، لا وفق دوائرهم الانتخابية كما هو الحال بالنسبة للمقيمين، علماً بأن حججه كانت جميعها وهمية ولا ترقى إلى مستوى المصداقية في زمن بات فيه التواصل من خلال الوسائل الحديثة أسهل مما يدّعي سعادته.
أما “التيار الوطني الحر”، الذي يُعد من أكثر الأحزاب المتأثرة سلبًا بنتائج الانتخابات، فيتمسّك أيضًا برفض إعطاء المغتربين حقوقهم السياسية والوطنية، ضمانةً لعدم خسارته مزيدًا من المقاعد. لكن، هل تكفي هذه الحسابات الضيّقة لحرمان المغتربين، الذين ضحوا بالغالي والرخيص من أجل لبنان، من حقهم السياسي والوطني؟
كما أن المغترب اللبناني كان ويبقى منارة علم ومعرفة وساهم في تطوير العلوم والصحة والاقتصاد والسياسة في دول العالم، كذلك فإن صوته لن يكون مجرّد إضافة كمية إلى صناديق الإقتراع، بل هو نوعية مختلفة من الخيارات السياسية:
– صوتٌ أكثر تحرّرًا من الزبائنية والإرتهان المحلي.
– صوتٌ مُشبعٌ بتجارب دولية ناجحة يمكن نقلها إلى لبنان.
– صوتٌ حمل لبنان في القلب والذاكرة، ويُدرك حجم الكارثة التي أصابت الشعب.
لهذه الأسباب مجتمعة تخشى القوى التي قادت البلد إلى أتون النار والحروب والإفلاس من أن يغيّر الصوت الإغترابي المعادلة الداخلية وينقل البلد إلى شاطئ الأمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
اليوم، يقف المغترب اللبناني أمام إمتحان وطني كبير. صوته ليس مجرّد رقم يُسجَّل في صندوق الإقتراع، بل رافعة للتغيير والتطوير السياسي، وفرصة لترجمة وطنية استمرت عقودًا في أفعال ملموسة: إنقاذ الاقتصاد، حماية الشعب من الجوع، وصون كرامة لبنان في الخارج.
إن المشاركة المكثفة في الانتخابات المقبلة ليست خيارًا شخصيًا، بل واجب وطني وأخلاقي. فكل صوت مُغترب يُدلي به بوعي واستقلالية يساهم في حماية الديمقراطية، ويحوّل لبنان من مسرح للنزاعات الإقليمية إلى وطن حقيقي تتقدّم فيه الكفاءة والعدالة على المحاصصة؛ لهذا من حقه الطبيعي أن يكون صوته الانتخابي شريكًا كاملًا في التغيير السياسي، موازيًا لصوت المقيم، لا مجرّد مقاعد محدودة. إن الانتخابات المقبلة هي لحظة فاصلة لترجمة وطنيتهم إلى فعل سياسي حقيقي، وإثبات أن لبنان، على رغم الأزمات، لا يزال وطنًا يستحق الحياة وأن المغترب جزء أساسي من مستقبله وصوت التغيير فيه.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?