كلمات في الأب العلّامة وصلاة إلى الرّاهب القدّيس!

المسيرة – قد يصعب على من يعرف الأب توما مهنا جيدًا أن يجد الصفة الأنسب لوصفه بها. هل يصفه بالأب القديس أم بالراهب المقاوم، أم بالعلامة الفيلسوف، أم بالكاتب المواظب الذي ظل معينُه يغني المكتبات والقراء من الكسليك إلى فكر آخر مثقف، أم بالإداري البارع الذي ما تسلّم ديرًا إلا وأنهضه ولا مؤسسة أو مشروعًا إلا وأنجحه. هو الأخ والصديق واللاهوتي المتعمّق والفكاهي الطيب الذي ما فارقت الضحكة وجهه البشوش حتى في أحلك الظروف، نظرًا إلى دفق إيمانه الذي لا ينضب ولا يُجارى.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

منذ حوالى أربعين عامًا تعرّفت إليه في كرسيّ اعترافه في دير عنّايا، ذلك الكرسيّ – العرش المرصع بالإيمان المطرز بالتواضع… والعلم. حيث لطالما زاوج العلامة الراحل بين صدق الإيمان وعمقه وبين عمق الفكر وصدقه. كنت أعترف له بنهمي إلى معرفةٍ إيمانيةٍ صافية بعيدة عمّا يحاول بعضُ الآباء زجَّه عنوة في عقول الشباب اعتقادًا خاطئًا منهم بأنهم بهذا يقرّبونهم أكثر من الإيمان، فيما كانوا لسذاجتهم وأمّيتهم يُبعدونهم عنه. تميَّزَ ذاك الراهب عن الآخرين جميعًا في أنه أدمج المنطق والفكر مع الإيمان وسلامة المعتقد، فنجح هو حيث أخفق كثيرون.

وامتدت اللقاءات الذاخرة بالتعلّم تزيد شغفي إلى النهل أكثر من معينه الطافح فلسفة وفكرًا وثقافة ولغات. كان راهبًا بكل ما يعني الترهب من قيم وتواضع واتحاد بالله. وكان مرشدًا سليم التوجيه سديد الرأي. وكان مقاومًا صلبًا تمسّكت القضية بزراعه المستقيمة مع أمثاله من رعيل العمالقة حتى نهضت واستمرّت منتصبة في وجه كل ما مرّ به البلد من أعاصير وما تعرّضت له القضية من طعنات. وكان فيلسوفًا ومفكّرًا فذًّا أغنى المعارف مثلما أغنته حتى الثمالة. وكان راعيًا صالحًا لرعية سعى على مدى ما يقارب الثمانين عامًا من عمره الكهنوتي، إلى أن يجعلها الرعية الأصلح بين الأمم، فنجح بقدر ما قدّر الله له أن ينجح وسط ما ينتابنا جميعًا من شرودٍ ونكرانٍ وبُعد صفاء.

نذر الطاعة، فكان مُطاعًا جليلاً عالي المقام. نذر الفقر، فكان أغنى الأغنياء بالروح مترفّعًا عن فانيات الأرض، متمسكًا بالكنوز السماوية. ونذر العفَّة ملتزمًا بأعلى أهدابها، فكان مثال الراهب القديس فيما كان العالم، وقد زاد، يتخبّط بين التفلّت من المبادئ والتمسّك بملذات الأرض التي ما طال الزمن بالأب مهنا حتى أدرك فقرها وغِنى ما أعدّه الله لنا من موائد، ألذ ملذاتها خبزُ الحياة وماؤها اللذين مَن تناولهما لا يجوع أبدًا ولا يعطش أبدًا.

عندما تسلّم الأب توما مهنا رئاسة دير مار مارون عنايا – ضريح القديس شربل، واجهته مسألة تهجير عائلات عديدة بسبب الحرب، ما وجدت لها مأوى، فالتجأت إلى الأديار. وقد وفدت أعداد كبيرة منهم إلى دير عنايا. يقول الأب توما إنه رحّب يومها باستقبالهم من غير أن يفكّر بكلفة إيواء، وإطعام هذه الأعداد الكبيرة، وأمكنة الإقامة غير المعروفة الأفق، وإدارة هذه العملية. لكنه ما أراد أن يُقفل باب الدير بوجه نازح من غير مأوى. يتابع: “هناك من جاءني من الرهبان يطلب عدم السماح بإيواء كل هذه الأعداد لأنها فوق طاقة الدير، فما العمل؟ فقلت “ألله بيتدبر بولادو وفينا”…

يُكمل أن المفاجأة كانت في اليوم التالي تمامًا عندما بدأت الإعانات تصل إلى الدير عينيّة ومادية. قام على إثرها الأب توما بتشكيل فريق عمل لإدارة الوضع المستجد. وكانت النتيجة أنه فوق إطعام الجميع ورعايتهم (وهو الذي كان يجول بينهم وهم نيام ليتأكد من أن الجميع مرتاح)، راح يوزع عليهم مبالغ مالية دورية.

ليس سرد هذه القصّة على سبيل ذكر إنجازات، ما بحث الراحل يومًا في حياته عن التبجّح بها أو ادعائها، كما بات مألوفًا في أوساط الكثيرين. هي تحديدًا للتأكيد على ما كان يُردّده هو عن “أن الله موجود في كل تفاصيل حياتنا، وهو من يُدبّر أمرنا، فلا علينا أن نخاف أو نرتاب”.

أبونا توما، الراهب القديس، ظليل الروح القدس… في حياتك على الأرض صلّيت لنا، وفي حياتك الأبدية في السماء نرفع إليك الصلاة، فاعضدنا كما دائمًا، وادعُ إلى أن يمنّ الله على الرهبانية وعلى القضية بأمثالك… إن صوتك عند الله مسموع وطلباتك مستجابة!

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?