من يقرأ رسالة حزب الله الأخيرة إلى الرؤساء الثلاثة، يَخالُ نفسه أمام بيان وطني يدعو إلى “حماية السيادة” و“صون الكرامة” و“توحيد الموقف في وجه العدو الإسرائيلي”.
لكن من يحلل اللغة ويقرأ بين السطور، يُدرك أن الحزب لا يتحدث عن لبنان الوطن، بل عن لبنان كجزء من الإمبراطورية الخمينية الكبرى.
عندما يتحدث الحزب عن “السيادة”، فهو لا يقصد سيادة الدولة اللبنانية، بل سيادة السلاح الذي يتفوّق على كل مؤسساتها.
وعندما يقول “الكرامة الوطنية”، فهو يقصد كرامة المشروع الذي ينتمي إليه، لا كرامة اللبنانيين الذين باتوا أسرى هذا المشروع المدمر.
كل المفاهيم في قاموس حزب الله تحمل تفسيرات خاصة بها لا تشبه التفسيرات المتعارف عليها، لهذا ومنعاً للخطأ يجب أن تُقرأ حسب القاموس الإيراني:
– الاستقلال يعني التحرر من الثقافة الغربية لا من الوصاية الإيرانية.
– الوحدة الوطنية تعني الخضوع التام لجميع مكونات المجتمع لمنطق “الممانعة”.
– الحوار يعني الجدل العقيم في كل شيء، شرط ألّا يطال السلاح أو قرار الحرب والسلم.
في الماضي، دحرج لبنان صخرته بسبب الكفاح المسلّح الفلسطيني، الذي حوّل باريس الشرق إلى أرض الدموع والدم.
ومنذ انتهاء الحرب، يكرر دفع الصخرة نفسها من جديد، من تصفية الحساب إلى عناقيد الغضب إلى حرب تموز وصولاً إلى حرب الإسناد… لكن باسم “المقاومة الإسلامية” وأحلام بناء الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يرعاها صاحب الزمان ووليّه الإمام الخامنئي.
كل مرة تُرمى الصخرة من القمة، فيعيد اللبنانيون رفعها بصبرٍ وعجزٍ معاً.
تُهدَم الدولة باسم “المواجهة”، ثم يُطلب من الشعب أن يعيد إعمار ما دُمِّر، وكأن قدَرَه أن يبني ما يهدِمه غيره.
تحكي الأسطورة أن سيزيف كان ماكراً، خدع إله الموت فحُكِمَ عليه بالأبدية في عمل بلا جدوى: أن يدحرج صخرة إلى قمة الجبل لتتدحرج من جديد.
وهكذا اللبناني أيضاً ظن نفسه أنه الأذكى في الشرق، فعوقب بمنعه من الموت كما من الحياة الكريمة. يعيش في دائرة لا تنتهي من الحروب والشعارات، من “أصبح عندي الآن بندقية” إلى ”الانتصارات الإلهية”، بينما وطنه يهبط أكثر نحو العدم.
في رسالته، يرفض حزب الله “الانزلاق إلى أفخاخ تفاوضية”، ويعتبر أن مناقشة حصرية السلاح “خطيئة وطنية”.
لكن من يقرر ما هو وطني؟ ومن منح الحزب تفويضاً لتحديد حدود الوطن وحدود الخطر؟
حين يصبح السلاح “حقاً مقدساً” فوق القانون والدستور، تنهار الدولة وتُختزَل في جماعة ترى نفسها الوصي على مصير البلد.
الخطير في الرسالة ليس مضمونها السياسي فحسب، بل منطقها الفكري:
إنها وثيقة تُثبِّت أن لبنان، في نظر حزب الله، ليس دولة، بل ساحة في معركة أبدية بين “الحق الإلهي” و”العدو الصهيوني”، وأن السيادة لا تعني استقلال القرار، بل بقاء السلاح بيد “الطليعة المؤمنة” إلى ما شاء الله.
وهكذا يجد اللبناني نفسه من جديد سيزيفاً، محكوماً بدحرجة صخرة لا يملك أن يتوقف عنها: صخرة الممانعة، وصخرة الفساد، وصخرة الأوهام الكبرى التي تُلبِس الخراب ثوب البطولة.
كلما حاول أن يلتقط أنفاسه، تسقط الصخرة عليه. وكلما حلم بدولة، خرج من بين الركام خطابٌ جديد باسم “المقاومة” و”الكرامة” ليعيده إلى قعر الوادي.
سيزيف الإغريقي حُكم عليه بالعذاب الأبدي لأنه تحدّى الآلهة، أما سيزيف اللبناني فحُكم عليه بالعذاب ذاته لأنه صدّق الآلهة المزيفة.























