“وقال يسوع لكيفا: بطرس أرجع سيفكَ إلى غمده، الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها” ؟؟
عند أطراف بستان ليلة الأسرار، التقطت المسكونة بعضًا من أطراف حديثٍ تبادله البار المسلَّم لهوان قضاء الصَّلب والموت مع رنين فضَّة تولَّت الإجابة عن قابضها ولم يكن لديه أي جواب. أخيرًا وبعد مطاردة شاقة تمكَّن حرّاس شريعة موسى من إلقاء القبض على أخطر المُتَّهمين وقد سبق وهدد بنقضه الهيكل في مدَّة وجيزة لا تستغرق أكثر من ثلاثة أيامٍ…
قيدوم الأثني عشر سمعان بطرس طباعه طباع صيَّاد جليليّ هي مزيج من بساطةٍ وعفوية ونخوةٍ وحدَّة واعتدادٍ بالنَّفس والزِّند، فانفعل سيفه بيده وهوى حدُّه قاطعًا أذن عبد رئيس الكهنة ذلك المدعو ملقس. حينها تدخَّل الرب الأسير لائمًا تسرُّع بطرسه الأهوج ملتقطًا الأذن المبتورة عن الأرض، وأعجوبة أخيرة قبل صباح الموت الزؤام تعيدها إلى مكانها. ويا ليته رئيس الكهنة سمع بأذن عبده المفصولة عن أوتارها السَّمعية، صدى انكسار السيوف كلما حاولت التَّطاول على مفاتيح ملكوت سماوات ترفض رفضًا مطلقًا جرائم وكلاء الإيمان الزَّريع وفردوس المحبة الكليَّة، لم ولن يتعاقد يومًا مع قاطعي رؤوس الكافرين !
تطويبه أم تطويب سيفه
ها هي كنيستنا الجامعة المقدَّسة الرَّسوليَّة تفاجئنا، ونحن لم نتفاجأ يوم أصدرت قرارًا كنسيًا يُعلن قبولها فتح ملفَّات دعوى تطويب وتقديس الألمع بين قادة المقاومة اللبنانية خلال القرن التَّاسع عشر يوسف بطرس كرم. وهو سليل لمبنًى قيّادي قد شيَّده قائد السَّرمد اللبناني أبون يوحنا مارون في المعنى الماروني الثلاثيّ الأجيال والأهداف. جيل هجَّر نفسه بنفسه لأجل خلاص نفسه من هلاكها وماذا تنفع ملكيات العالم إن كان الثمن القبض على الروح والتّنازل عن ودائع الإيمان. جيل مشى من سهول القمح وسهولة إشباع البطون حتَّى التّخمة وأشواقه المتوهِّجة تتقدمه في الوصول إلى مملكة الأشواك يحيِّكها تيجانًا تكفي لعشرات المئات من الأعوام. هي أعوام صلبٍ وصلبان ومصلوبين ويسوع النَّاصري لن يقع تحت صليبه مرَّة رابعة. شعب يوسف كرم وأمثال يوسف كرم هو الذي سيقع عنه حتَّى يتعب الصَّخر والتّراب والوجع. وجيل لبناني ثالث لن تدوم له لبنانيَّته، إن تناسى وتجاهل أنَّ آباءه وإجداده السبَّاقين في اكتشاف سبائك تراب حنطتهم من طحين الصَّخر وفتافيت الدَّبش البريّ، قد آمنوا حتى منتهى اليقين بأنَّ لولا مجد الشقاء لما نالوا مجد البقاء !
فتح ملف تطويب وتقديس قائد المدرسة الحربية الكرمية، لا بدَّ أنه سيعيد إحياء السِّجال الدقيق بين السَّيف والصَّليب والذي نادى: “قم إحمل صليبك واتبعني”، هل تُراه ينادي: قم إحمل سيفك وتابع تعليماتي إن كان دائمًا يجوز قولي: “من يأخذ بالسَّيف فبالسيف يؤخذ “حين الجلجلة الشرقية لا تستريح من استقبال أفواج أولئك المحكومين بالموت صلبًا لليدين، وسلبًا للقيمِ والقامات، وطعنًا بالظَّهر ونفيًا من بلادٍ لا يجوز ترسيم مساحتها ووضع النقاط على حدودها إلاَّ بألوان ما أنتجته طوباوية النَّزيف وقدسية الجراح. ومن غيرهم رجال الحب الأعظم من أبطال وشهداء؟!
دعوى تطويب وتقديس صاحب آية:” لبَّيك يا لبنان” إن كان يلزمها شهود حق وحقيقة، فلن تكون أيُّ شهادة أبلغ وأثبت من تلك النبؤة الفجيعة: “إننا كغنمٍ قد سقنا إلى الذَّبح”.. ولصالح دعوى تطويب وتقديس كرم لن تكون هناك شهادة تماثل ما شهد له واستشهد لأجله أيقونة الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية والبيعة جمعاء أسقف ماردين عام 1916 سيادة الشهيد القديس مار أغناطيوس مالويان وأرمينيا المقدسة ما تزال باسم أغناطيوسها النوراني تعاهد مصلوب مصلوبيها: “إننا لأجل اسمك نمات النهار كلَّه”!!
الأب العام والقائد العام
يوسف الدَّارة البطرسية الكرمية الإهدنية نشأ بمناقبية روحية هي أقرب إلى عيشة الحبساء، وسلوكٍ ملوكي رهباني أنطونيوسي يقارب إبن الملوك في قرار وضع أملاكه الشاسعة وثروته الفائضة بأمرة الفقراء والمساكين والمعدمين. دير مار أنطونيوس قزحيا كان مرجعية كرم الموثوقة وملاذه كلما داهمه حصار الدنيا والدين، والتَّاريخ الرهبانيُّ السَّامي اللبنانية مفتوح على تلك العلاقة الميرونيَّة بين رئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي أفرام جعجع البشراوي وبين القائد يوسف كرم. وقد كان الأب العام الدعامة الرهبانية والكنسية للقائم مقام المستقيل من قائمقامية نصارى جبل لبنان حين شابتها شائبة وصاية السَّلطنة كي ينصرف إلى مواجهة الباغي العثماني وفكفكة أوصال احتلاله ومفاصله.
الأب العام جعجع جاهر بثنائية الصوت الرهباني اللبناني بتأييده تأييدًا كاملاً واضحًا وصريحًا ثورة بيك الحرية والسيادة ومواطنة الكرامة والعنفوان والإباء. الأب العام والقائد العام تصادقا كما الناذر ومذبح النذور، وتلازما ملازمة الإسكيم الرهباني لجبين راهبه، فدفع الإثنان أقسى الأثمان تكلفةً. وهل أفدح مما كلَّفته آية: “من بيت أبي ضُرِبت”..؟ القائد العام يوسف كرم صدر قرار نفيه من بلادٍ لطالما اعتزّت بسيفه وتفاخرت بصهيل حصانه. لكن عزَّ عليها أنَّها لم تتمكّن من أن تؤمن له حصانة تردُّ عنه باخرة المنفى. فبلاد الأرز اتصلت شرايينها بخفقات قلب كرَمها، فكان يوم 31 كانون الثاني 1867 يوم جلاء كرَم لبنان عن لبنانه ضميرًا لبنانيًا محكومًا بمنفاه الإيطالي، سيزال حتى قيام السّاعة، يطارد ضمائر المكشوفة أحقادهم الدفينة المريضة المعتوهة، هي أحقاد مذاهب الذميَّة على أبطال وطنهم.
كان لا بدَّ للقيافيَّة الدنوية والبيلاطسية الدينية من إلحاق الأب العام البشراوي بصديقه الذهبي السيف القائد الأهدني. فبعد أحد عشر عامًا من نفي يوسف كرم تم استحضار فرمان إخراج أب عام رهبانية المقاومين اللبنانيين وملهمهم، من رهبانيته قسرًا وغصبًا. فسلَّم الأباتي أفرام جعجع مصيره العام لسيده الذي لم يكن له حجر يسند عليه رأسه، ومشى راهبًا مطيعًا لم يعد له دير يسند إليه نذوره الرهبانية. مشى المعزول السَّامي الطاعة والصبر إلى عزلته واعتزاله داخل جزيرة قبرص طيلة خمسة عشر عامًا إلى يوم القرار المبارك الذي أصدره الرئيس العام الجديد الأباتي مبارك سلامة المتيني بالإعتذار الأخوي الرهباني من الأب العام المنفي نزولاً عند رغبة متصرفي السلطنة، وبقرار رئاسي أتّخذه رئيس عام.. وموافقة بطريرك ماروني ومطرانين.. وبركة “رسولية” من قاصد رسولي.
بعد مضي ثلاثة وعشرين يومًا على عودته إلى ديره الأول تلاقى الأب العام أفرام جعجع البشراوي والقائد العام يوسف بطرس كرم الإهدني داخل حصن ديرهما الأحب دير مار أنطونيوس قزحيا السماوي حيث يجلس عن يمين الحمل القدوس هؤلاء الذين حملوا خطايا لبنان حتى الشهادة والقداسة!!
لجان دعاوى القديسين يوم تسأل
لبنان يجيب وله في جوابه حدوده، أيام كانت خطوط الحدود من تخطيط مسبحة وسيف. ثورة الأرز الكرَمية اللبنانية تجيب وجوابها حوربات رجالٍ مسحوا جباههم بدم الحمل وزيت الحبساء وعتبات بيعة الميلاد والقيامة. لجنة دعاوى القديسين تسأل وعند الرهبانية اللبنانية المارونية أجوبة تقارب أجوبتها عن مرشَّحيها الجدد للتطويب والتقديس. الصَّرح البطريركي الماروني في ذمَّته أجوبة عمَّن نظَّم وجهزَّ تلك الحملة العسكرية المنطلقة من ضيعة بان حزيران 1860 الواصلة إلى ساحة بكركي والمعطى له مجد لبنان يكاد يتهجَّر.. زحلة عروسة الشرق وركن الكثلكة أيضًا تجيب عمَّن وافاها من أهدن قبل أن تستشهد بنيران عهارة التَّعهدات، تعهدات قناصل الدول الكبرى وصغائرهم وداخل صفحات مذكرات القائد الكرمي الشيخ أسعد بولس معظم ما تبحث عنه لجان التدقيق والتمحيص داخل مقرات الفاتيكان. أمَّا الإجابات السيِّدية فإنَّ لها عند سيدة حصن إهدن مئة جواب وجواب، وعند سيدة زغرتا عن يوسفها كامل الجواب !!
أبانا الأقدس
8 كانون الأول 1854 أثبت سلفكم المغبوط قداسة البابا بيوس التاسع عقيدة الحبل بلا دنس وإعلان مريم أم الله منزَّهة عن الخطيئة الأصلية وسائر متدرِّجات الخطايا. وفي السنة نفسها واليوم ذاته أسَّس يوسف بطرس كرم أخوية الحبل بلا دنس ليتلاقى الفاتيكاني بالإعلان الزغرتاوي، والأمَّة الزغرتاوية سبَّاقةٌ في ولائها المطلق لتلك التي أجابت جبرائيل المرسل من لدُن الآب: “ها أنا أمة للرب”، والزغرتاويون لا يسيرون إلى أيَّة مواجهة إلاَّ إذا طلبوا رضا سيِّدتهم سيدة زغرتا كنز الرَّحمة والمعونة !
صاحب القداسة
ثلاثية أيام زياراتك فردوسنا اللبناني خصَّصت راعي القطيع في جرده البقاعكفري يوسف أنطون زعرور مخلوف بزيارة سجدة وتأمل وصلاة بحضرة ضريحه النسكي الشربلي. حبيس عنايا المنتقل من يوسف الراعي إلى شربل الراهب ألقى شبكته في عمق أمانته لنذوره الرهبانية فاصطاد ما ملأ نفسه بالسماويات وما أفاض على قارات الأرض من عجائب الشفاء، شفاء النفوس والأجساد. وها القائد الحربي يوسف كرم إرتدى ملابس القتال من خارجه، لكنَّ عقله وقلبه وروحه توشَّحوا كامل الزي الرهباني واعتنقوا كامل النذور الرهبانية وأديار لبنان تشهد. القائد الكرمي التزم بالطّاعة نذرًا لطاعة وصايا الرب وما تريده عذراء العذارى، وبعدهما أطاع سيادة بلاده وكرامة أهله وبقاء شعبه فكانت بيوت مسبحته أمضى سلاح لحماية بيوت وأملاك وأعراض أبناء موطنه.
يوسف الكرمي اعتنق نذر العفَّة ذاته الذي اعتنقه يوسف خطِّيب مريم. قائد همّام بهي الطّلة تتمنّاه صبايا بلاده. لكنَّ إبن بطرس كرم مقتديًا بإبن يعقوب لم يرد أن يعرف إمرأة طيلة حياته محتفظًا بعشقه لحبيبتين لم يُغرَم بغيرهما: مسبحته وأرزته. وأمَّا نذر الفقر فالبراري والمغاور والكهوف والعواصي التي عايشها البيك الكرَمي وأمضى معظم عمره النضالي في ضيافتها هي أثبت الشاهدين على عدم اكتراثه بمحيط القصور والجاه وأكداس المال ووسيع الأملاك. ومن ذلك الوعر الأقدس أقسم بطل لبنان أن لا يلحق بأقداس لبنانه وأسواره ذات الذي أصاب أقداس وأسوار القسطنطينية فجيعة 9 أيار 1453.. “داوود الملك يوم جاع دخل هو والذين معه إلى الهيكل وأكلوا من خبز التقدمة الذي لا يحق أكله إلاَّ للكهنة”!
قائد المقاومة اللبنانية “البيك” يوسف كرم ورفاقه مغاوير الكرامة يوم جاعوا وحصار الجحافل الزريَّة يطوِّقهم مغلقًا عليهم جميع منافذ التموين، يومها كانت وجبة غذائهم سفَّات شعيرٍ أكلوه من ذات المخلاة التي تأكل منها خيولهم وعساكر السَّماء محيطة بمائدة مذابحهم !!
عظيم بطاركة الأمَّة المارونية الطوباوي مار أسطفانوس الدويهي الإهدني بقلمه الغزّار وعقله الغزير الروح أحيا تاريخ المسيحانية اللبنانية والشرقية وأقاماه من الموت.. وأمّا يوسف المقاومين اللبنانيين وكرمهم فقد وضع عمره وبطولته وسيفه بتصرُّف أعياد إرتفاع الصَّليب!!

























