متى نستعيد جوهر تاريخنا؟

يُجهِد كثيرون، من أتباع إيران اليوم، أو من أتباع النظام السوري في الأمس القريب، أو من بقايا الناصرية في الأمس الأبعد، لتزوير التاريخ ومحاولة حشرنا في زاوية صغيرة على هامش هذا الشرق، وكأنّنا أبناء الأمس، أو كأنّ الاستعمار الفرنسي هو الذي ميّزنا، وسايكس بيكو هو الذي صنع وطننا.
والمؤسف أنّ بعض حملة الجنسية باتوا أسرى هذا الخطاب، خاصةً بعدما جعلت مراسيم التجنيس في أوائل التسعينيات، ومعها الهجرة الكثيفة لأبناء الأرض بسبب الحروب العبثية، “حملة الجنسية الورقية” أكثر عددًا من أصحاب الأرض الفعليين.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

وللتذكير بهويتنا، ليس اعتمادًا على أوهام أو تعصّب، بل على حقائق تُثبتها حضارات العالم، فإنّ ما يميّزنا ليس شعارًا يُرفَع، بل DNA حضاري حمله أجدادٌ عظام ولدوا مبدعين على هذه الأرض، ولا قيامة لها إلّا بالعودة إلى روح الابتكار التي صنعت بصمتها في التاريخ الإنساني.

نحن أبناء أرضٍ كُتبت على ترابها البدايات الأولى للمعرفة الانسانية، وأحفاد من لم يكتفوا بأن يكونوا شهودًا على التاريخ، بل كانوا صانعيه. نحن أحفاد من اخترع الأبجدية، أول نظام كتابي علّم الإنسان كيف تُنطق الكلمة وكيف تُصاغ الفكرة. ومن شواطئنا خرجت الحروف التي أطلقت شرارة الحضارة الإنسانية كلّها.

ونحن أحفاد من اخترعوا السفن التجارية، وشقّوا البحر قبل أن تتجرّأ أمم أخرى على ركوبه. طوّعوا الريح، واستوعبوا أسرار الموج، ونقلوا التجارة والفكر والتواصل بين الشعوب. هم الذين جعلوا المتوسط طريقًا لا حاجزًا، وجسرًا لا فاصلًا.

ونحن أحفاد من صبغوا العالم بالفرح. أجدادنا هم من قدّم للبشرية الأرجوان، اللون الذي خرج من رحم صدفة صغيرة على شواطئ صور، ليصبح رمز الملوك والإمبراطوريات. هم من علّموا العالم أنّ الحياة ليست أبيض وأسود، بل فسيفساء واسعة من ألوان الروح.

وهم أيضًا مبتكرو الزجاج الشفّاف، الذين فتحوا نافذة جديدة للرؤية وغيّروا طريقة البشرية في النظر إلى الأشياء. وهم حرفيّو الخشب والحجارة الذين شادوا الهياكل والصروح، وبقيت آثارهم شهادات حيّة على عبقريتهم. بل إنّ هيكل النبي سليمان ما كان ليقوم لولا حرفييهم، وتابوت العهد صُنع من خشب الأرز الذي حمل صلابة لبنان إلى ذاكرة العالم.

كما أنّنا أبناء من علّم الناس صناعة الخمور، وصناعة عصر الزيت، وأرسوا أسس الصناعة والتجارة. وأحفاد من وضعوا قواعد التفاوض، وأقاموا شبكات التبادل الثقافي والاقتصادي قبل آلاف السنين، حين كانت أممٌ كاملة تعيش خلف الأسوار والانغلاق.
نحن أحفاد مَن عشق الحرية، وحوّل صخور الجبال إلى جنائن خضراء، وروّض الوحوش، وسكن المغاور، وهجر العيش الرغيد، وتحدّى ظلم المحتلّين دفاعاً عن حريته وكرامته الإنسانية.

لم يعد السؤال: من نحن؟ فالتاريخ قال ذلك بوضوح. السؤال الحقيقي هو: لماذا تراجعنا عمّا كنّا عليه؟ وكيف نستعيد جوهر تاريخنا؟

أمّة اخترعت الأبجدية لا يجوز لها أن تعيش في زمن يملأ حملة جنسيتها بالسطحية والغباء فضاء وسائل التواصل الاجتماعي . في حين ينبري “مثقفي الموتوسيكلات” المشحونين بالحقد والغباء لنشر ثقافة الشتائم والسباب كقاعدة حوار مع كل من يعارض عقليتهم الانتحارية .
وأمّة بنت السفن لا يمكن أن تظلّ غارقة في ارتهانات لمحاور أجنبية تعطل قدرتها على الإبحار نحو المستقبل.
وأمّة علّمت البشرية الألوان لا يمكن أن تقبل العيش في رماديّة المواقف وسواد الفساد.
وأحفاد المهندسين العظام لا يليق بهم أن يعيشوا في دولة تهدم مؤسساتها بيدها، وتتنازل عن دورها لحساب الميليشيات الممولة من دول أجنبية وكارتيلات الفساد والهدر ونشر الاشاعات والضغينة.

استعادة جوهر تاريخنا ليست حنينًا إلى الماضي، بل استعادةً للقدرة التي ميّزت أجدادنا وورثناها في جيناتنا الوراثية: القدرة على الإبداع والمبادرة، وعلى تحويل التحديات إلى إنجازات، وبناء حضارة التواصل والتطوّر والاختراع والحرية، للسير باتجاه مستقبلٍ مشرق.

حين نعيد الاعتبار للمعرفة والعلم والإنتاج، لكرامة الإنسان، لسيادة القانون، ولثقافة العمل بدل الزبائنية…حينها فقط، نستطيع أن نقول أنّنا بدأنا نستعيد حقيقة انفسنا وتاربخنا.

تاريخنا ليس زينة نعلّقها على الجدران، بل مسؤولية. ومسؤولية الأمم العظيمة تبدأ من لحظة الوعي الجماعي. والوعي يبدأ حين نقرّر ألّا نعيش على أمجاد أجدادنا… بل أن نكون امتدادًا حيًّا لها، بحجمهم، وبشجاعة ابتكارهم، وبقدرتهم على صنع مستقبلٍ يليق بتاريخٍ كهذا.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?