لم تعد قضية استعادة الودائع مجرد ملف تقني أو مالي، بل تحوّلت إلى مسألة سياسية–قضائية بامتياز، مرتبطة عضوياً بالدور الذي لعبته المصارف التجارية ومصرف لبنان والسلطة السياسية منذ اتفاق الطائف، في تغطية منظومة الفساد المالي، وغسل الأموال، وسياسات الهدر والإنفاق غير المجدي للأموال العامة. فالأزمة الراهنة لم تكن «صدمة خارجية» عابرة، بل نتيجة مباشرة لسياسات مالية ونقدية تراكمت على أسس التواطؤ وغياب المحاسبة.
من هنا، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل يمكن استعادة الودائع من دون إخضاع ملفات المصارف لتدقيق فردي دقيق يحدّد مصادر الأموال، ويكشف بوضوح دور المصارف التجارية ومصرف لبنان، بوصفه منظّماً ورقيباً ومستفيداً في آنٍ واحد؟ وهل تجوز المساواة بين «ودائع الأوادم» التي جُمعت بشقاء العمر، وتعويضات نهاية الخدمة وبين حسابات مشبوهة لكيانات ومسؤولين ارتبطت أسماؤهم بصفقات الرشاوى؟ هل يجوز المساواة في التعامل بين مدّخرات المغتربين الطامحين إلى بناء مستقبل في وطنهم، وبين حسابات مشبوهة لكيانات ارتبطت أسماؤهم بغسل الأموال القذرة؟ وهل يُعقل خلط أموال النقابات المهنية، كالهندسة والمحاماة والطب والصيدلة، بأموال ناتجة عن أنشطة غير مشروعة؟ وهل يجوز وضع حسابات شركات تجارية وسياحية وصناعية عريقة، ساهمت في دعم الاقتصاد الوطني لعقود، في الخانة نفسها مع حسابات شركات وهمية أُنشئت خصيصاً لغسل الأموال؟
تشير الوقائع إلى أن عدداً من المصارف لم يكن مجرد ضحية للأزمة، بل شريكاً فاعلاً في «الهندسات المالية» التي استنزفت مقدّرات البلاد وشوهت سمعته المالية، وفي استقبال اموال مشبوهة وتسهيل تحويلات استنسابية إلى الخارج، في وقت كان فيه المودع الصغير يُحرم من الوصول إلى أبسط حقوقه. وفي المقابل، لم يكن مصرف لبنان مراقباً محايداً يطبق القانون، بل كان المهندس الفعلي لمنظومة سمحت بتراكم أرباح فاحشة لفئة محظوظة، مقابل خسائر كارثية للمودعين الأوادم. علما انه غطى توقف المصارف عن تطبيق قانون “دفتر التوفير” الذي يحمي الطبقات العاملة واستبدل قانون النقد والتسليف بالهندسات المالية والتعاميم التي خدمت وحمت اصحاب المصارف وحرمت المودع من حقه المالي والقانوني. ويُضاف إلى ذلك إنفاق عام مفرط للسلطة السياسية على مشاريع اتسمت بالفشل والهدر، كالسدود وبواخر الكهرباء، وهي ملفات تستوجب محاسبة قضائية عادلة لا تستثني أحداً.
في هذا السياق، تصبح إعادة الودائع من دون تدقيق جنائي شفاف بمثابة «تبييض مالي مقنّع». فكيف يمكن ردّ الأموال من دون التحقق من مصادر الودائع الضخمة التي تضخّمت بشكل مفاجئ وغير مبرّر، ومن الحسابات المرتبطة بدائرة السلطة، من وزراء ونواب ومتعهدي دولة ومن يدور في فلكهم؟ وكيف يمكن تجاهل التحويلات الخارجية التي هُرّبت بعد 17 تشرين الأول 2019؟
إن المسار المنطقي يفرض معاملة كل حالة على حدة، ووضع ملفات المصارف أمام القضاء، لا بهدف الشيطنة، بل لتحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر بعدالة: هل يتحمّلها المودع الذي حرم من أمواله منذ 2019؟ أم المصرف؟ أم المصرف المركزي؟ أم الدولة التي استدانت وأنفقت بلا رقيب؟
غير أن هذا المسار يصطدم بجدار المصالح السياسية، فمحاسبة المصارف تعني حتماً كشف أسرار مصرف لبنان، وما يستتبعه ذلك من تعرية شبكة المصالح التي حكمت لبنان لعقود. من هنا، يأتي طرح «قانون الفجوة المالية»، بصيغته الحالية، كمحاولة لدفن الحقيقة تحت شعار «عفا الله عما مضى». وهي عقلية عقيمة تحاول مداواة الداء بالداء، ما من شأنه تقويض مبدأ المساءلة ودفع البلاد مجدداً نحو الفوضى. إن خروج لبنان من عزلته المالية الدولية يبقى مشروطاً بقدرته على إثبات أن إعادة الودائع ليست مجرد «إعادة تدوير للخسائر»، بل مسارٌ فعلي للعدالة.
خلاصة القول، إن استعادة الودائع ليست إجراءً حسابياً فحسب، بل اختبار سياسي وأخلاقي وقضائي. فإما مسار شفاف يفتح الصناديق السوداء للإدارة المالية والنقدية بلا محرمات، وإما تسوية شكلية تواري الحقيقة في الثرى… ومعها تسقط ما تبقّى من ثقة بلبنان.























