اليوم الثاني من شهر آذار وعلى مدار دورة السنوات الطقسية، هو لبيعة الأمَّة السريانيَّة المارونيَّة اللبنانيَّة عيد أعيادها وجوهرة مساحة الوطن اللبناني الممتدة على المدى العددي لخمسة وسبعين من نصوص الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، والكيان الأثبت نشيد: “هيَّا معي من لبنان، أيَّتها العروسة من لبنان”!!
عصاكَ ترعى عُصاتِكَ
عصاكَ الأبويَّة الحبرية الأنطاكيَّة اللبنانية يا أبانا هي الرمح الرَّامز لاستبدال أسوار القسطنطينية بشواهق قمم لبنان المأمول منها ألّا تشارك بمبارزة أجناس الملائكة كي لا يصيبها ما أصاب القسطنطينية.
29 أيار 1453، العصا اليوحنا مارونية ليس مَن غيرُها تولَّى ويتولَّى قيادة جموع آمنت أيمانه بأنَّ “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، فنادت معه بالعصيان المعاند لكل خبزٍ مأجور يتخم الجسد ويعدم الروح ويرمي الأرض في ميراثٍ غير ميراثها، وإلى ورثة ليسوا من عِرقِها ولا عَرَقِها. أهل يوحنا مارون مثلاً ومثالاً يجهلون كأبيهم علوم الحسابات التي لم ترتقِ يومًا إلى عجائبية حساب أشبع خمسة آلاف جائع بخمسة أرغفة وسمكتين، وإن لم تأتِ أعدادنا مطابقة تمامًا لآية السمكتين والخمسة أرغفة!!
حدودنا الكليَّة الطوبى
تْحوم القرية البترونيَّة ذات الشّاطئ الممتد عبر الرؤية حتَّى مراكب ذلك الصَّيد الرَّسولي، وحاملة مفتاح بوَّابة العبور إلى بترون يوحنا مارون وسائر قضاء القدِّيسين. تْحوم كانت بوصلة الزَّمن الماروني اللامتناهي واللامحدود التَّي ثبَّتها البطريرك الأول الأب والقائد يوم صمد فيها صناديد أمَّة مارون برعاية البصيرة القياديَّة لأبيهم وقائدهم يوحنا فم الحرية، يستبسلون وأياه في فكفكة أوصال غزوات أولئك الغزاة الشَّاردين من معسكرات الهرطقات ومجامع البدع ..
معركة سنة 698 التحومية بقيادة بطريرك الأمَّة العصيَّة سحقت قرار هدم صرح كفرحي حامي حمى عقيدة وحدانية إبن الله يسوع الأله والأنسان، وميامين الأمانة على وديعة الأيمان ينشدون النَّشيد النَّفير: “مبارخو أَت تحومو دهايمونُتو، أو مباركة أنتِ يا حدود الأيمان !
عبر وادي حربا، أنطلقت هذه الحدود نحو يانوح صرح جبَّة المنيطرة وبعدها إلى صرح وادي أيليج ثمَّ شمالاً نحو قنوبين وعصا حبر الأحبار تخطُّ وتخطِّط لمارونية تنغرس أنغراسًا لا يستشفع إلاَّ يد الرب المستترة وجوبًا وجوازًا في جذور الأرز واللزاب والسنديان وتاج يوحنا مارون لا مجد أعطي لسواه كما أعطي له مجد لبنان!
آذار يوحنا مارون
يوم 2 آذار يوحنا مارون أيُّ يومٍ سواه جاهد طيلة مئات السنين للوصول إلى يوم 14 أذار 2005.. الأب المؤسس للمقاومة اللبنانية وبطريركها الأبدي إنَّ له وحده حق النداء العام: نداء إلى أبينا المكرّم البطريرك مار الياس الحويك ينتظر جوابًا عن دولة لبنان الكبير. والنِّداء الأكثر إلحاحًا يرتفع إلى الروح القدس يستعلم منه عن داخونة الصَّرح المتوقِّد إشتياقًا وحنينًا إلى أولئك المغبوطين وعصيِّهم الخشب ونفوسهم الذَّهب المتدرَّعين بوصيَّة معلِّمهم: “ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا”.. الموازي لها قول بطرركهم الجازم “قد قلنا ما قلناه”!!
آذار يوحنا مارون منه نعاود الإنطلاق إلى آذار ثورة الأرز وساحة الحرية والسيادة والإستقلال قبل أن تدهمنا معلَّقة أمرؤ القيس: “قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل”. خمسة عشر ألفًا أرواحهم السماوية فلذات أرواحنا اللبنانية حملوا دماءهم على أكفِّهم ورحلوا إلى حيث كانت جراحهم مواجهة للنزيف المفروض فرضًا على أمَّتهم، ثمَّ ارتفعوا إلى حيث أنزلوا الدمع لهيبًا من عيون أمَّهاتهم. هؤلاء أخوتنا ورفاقنا وطوباويّونا ألا يتألَّف منهم كتاب اقتداء بهم مستوحى من كتاب الإقتداء بفداء المسيح؟ هم حملوا بنادق حملت شجر الأرز وثورة الأرز، ألا نحمل أوراقًا في يوم الإنتخاب ننتخب بأسمائهم معفيّين لمرَّة من أوزار تلك النبوءة المزمورية: “اقتسموا ثيابي في ما بينهم وعلى قميصي اقترعوا”!!!
معركة ألغاء العيد بالعديد
اليوم الثاني من آذار قد تعرَّضت رمزيَّته السَّاطعة لمحاولات إطفاء سراجها المرتفع فوق مكيال يطال علوَّه القمم والأمم معًا، وأخطر هذه المحاولات في حداثة زماننا اللبناني الجنوني كانت في جرح مفصلي عميق من العام 1990.
عقابًا لدستور تعاضديٍّ تكرَّس لإعادة تنظيم الأسس الروحية والحياتية لأمَّة الحرية والبطولة والشهادة والعصيان المقدَّس الموروثة كوديعة الإيمان منذ 1600 عام، فاستنفرت مضارب الغزوات الرَّدعيَّة لردع قيامة مجتمع أعطنا خبزنا وكرامتنا كفاف يومنا، كما دواءنا وطبابتنا وعلمنا ومدارسنا وجامعاتنا وحضارتنا وازدهارنا كفافًا لكل أيامنا.
سراديب معتَّمة تخرِّج أخصَّائيين بارعين في التلاعب بالعواطف الجماعية وتحريك غرائز الجماهير واختراع الشعارات المؤجِّجة للعواطف الهوجاء الخرقاء، وهذه السراديب ذاتها تولَّت إختراع “تيمورلنك” محلّي من خامة السلوك النيروني والعقل الفوهرري الأقرب عظمة إلى الجنون، فانساق بعضٌ وفير من المجتمع “المسِّيحي” اللبناني مؤلِّفًا هستيريا جماعية أعلنت ولاءها الطائش لزعيم مفدَّى قد تمَّ استخراج شخصيته القيادية من نصوص التراجيديا السَّوداء.
رأس ثائر بريَّة الأردن ونهرها يوحنا المعمدان كان ثمنه رقصة سالومي، فلماذا لا يكون رقص السالوميّات والسّالوميين في باحات محطاتنا التاريخية الغارسة سكينها في الجرح النازف ثمنًا لرأس يوحنا مارون وتاريخًا يحدد يوم إلقاء القبض عليه وإعادته مخفورًا مذلَّلاً مهزومًا بعد عصيان في حمى عواصي لبنان دامت ملحمته 1600 سنة سابقة كما ستدوم 1600 سنة آتية. لكن جمعة الصَّلب لم تلغِ سبت النور ومسامير المصلوب هي من ثبَّت موعد القيامة!!























