المسيرة- لطالما شكّلت القرى المسيحيّة في الشريط الحدودي الجنوبي حالة مختلفة عن محيطها في سنوات الصراع. فهذه البلدات، المنتشرة بين مرجعيون وبنت جبيل وصولًا إلى السّاحل، بقيت إلى حدٍّ كبيرٍ خارج دائرة الاستهداف المباشر، ويربط كثير من أبناء المنطقة هذا الواقع بعامل أساسي: غياب الوجود المسلّح أو تسلل المسلحين إليها.
لكن التطوّرات الأمنيّة الأخيرة أعادت خلط المعادلة. فاستشهاد كاهن رعية القليعة الأب بيار الراعي بعد استهداف أحد المنازل في البلدة لم يكن بالنسبة للأهالي حادثًا عابرًا، بل لحظة صادمة أعادت طرح سؤال جوهري: هل بدأت هذه القرى تفقد الحياد الهشّ الذي حماها نسبيًا طيلة الأعوام الماضية؟
اليوم، وبين أصوات الغارات القريبة والقلق المتصاعد في البلدات الحدوديّة، يعيش أبناء هذه القرى حالة من الترقّب المشوب بالحذر، في محاولة للحفاظ على نمط حياتهم وعلى طابع قراهم المدني.
القليعة: استشهد الأب الراعي ولم يهتز إرادة الصمود
في القليعة، ما زالت تداعيات الغارة الإسرائيلية التي أصابت أحد منازل البلدة الواقع عند أطرافها وأدت إلى استشهاد كاهمن الرعية الأب بيار الراعي حاضرة في مجالس أهلها ودموعهم.
بحسب مصادر محليّة مطّلعة، لم يكن واضحًا من كان داخل المنزل الذي استُهدف، لكن الحديث في البلدة يدور حول احتمال وجود أشخاص مرتبطين بالحزب داخل المكان. وتشير المصادر إلى أنّ تحركات عناصر مسلّحة داخل القرى أو اختبائها في المنازل يضاعف من خطر استهداف المدنيين.وتضيف: “لا نريد أن تتحوّلَ قرانا إلى متاريس أو دروع بشريّة. مطلبنا واضح: حماية أرضنا وأهلنا.”
هذه الحادثة أعادت إلى الواجهة هاجسًا قديمًا لدى سكان القرى المسيحيّة الحدوديّة: الخوف من أن تتحوَّل بلداتهم إلى ساحات مواجهة لا قرار لهم فيها.
جديدة مرجعيون: قلق يتسلّل إلى الحياة اليومية
في جديدة مرجعيون، يتحدّث المختار ربيع راشد عن حالة قلق متزايدة بعد الضربات الأخيرة.ويقول: “حتى الآن لا نعرف إن كان هناك مقاتلون في المكان الذي استُهدف أم لا. الضربة الأولى تبعتها ضربة ثانية، وهذا ما يثير الخوف ويجعل الناس تتساءل: ما الهدف؟”
وبحسب مصادر محليّة مطلعة، يرتبط جزء من هذا القلق أيضًا بالتحرّكات العسكريّة في البلدات المجاورة. فثمّة حديث عن وجود عناصر مسلّحة تابعة ل”حزب الله” في دبّين، مع تسجيل تسلّل بعض العناصر أحيانًا إلى قرى قريبة، بينها جديدة مرجعيون. وتلفت المصادر إلى أنّ هذه التحرّكات تضع القرى المدنية في مرمى الاستهداف، حتى لو لم يكن أهلها طرفًا في المواجهة.
عين إبل: حياة تحت الحذر
في عين إبل، تغيّر إيقاع الحياة اليوميّة. فالحركة أصبحت أكثر حذرًا، والتنقّلات أقل. وتقول عضوالمجلس البلدي آني أبو عزيز: “نحاول أن نعيش حياتنا بشكل طبيعي قدر الإمكان، لكن الحذر حاضر دائمًا.”
وتلفت إلى أنّ غياب مستشفى قادر على استقبال الحالات الطارئة يزيد من قلق السكان في حال وقوع إصابات نتيجة أي تصعيد. ومع ذلك، لا يزال أبناء عين إبل متمسّكين بحياتهم اليوميّة وبوجودهم في بيوتهم وبين عائلاتهم.
رميش: الجيش حاضر وإجراءات احترازيّة
في رميش، يسعى الأهالي والسلطات المحليّة إلى تجنّب أي احتكاك قد يجرّ البلدة إلى دائرة المواجهة.
الأب نجيب العميل يشير إلى أنّ القرى الحدوديّة لطالما كانت نقاط توتّر حسّاسة، ما يفرض التعامل بحذرٍ شديدٍ مع أيّ تطوّر أمني. وفي هذا السياق جرى التنسيق مع وزارة الداخليّة لإخراج نحو ٢٠٠ نازح من البلدة كإجراء احترازي.
أمّا رئيس بلدية رميش حنّا العميل فيؤكّد أنّ وجود الجيش اللّبناني داخل البلدة يعزّز شعور السكّان بالأمان. ويقول: “الجيش يقوم بدوريات داخل رميش، وهذا يطمئن الأهالي. وبعد التهديد الذي وصل إلى أحد المخاتيربضرورة إبعاد أي نازح عن البلدة لأن إيواءهم يشكل خطراً على الأهالي ويفرض عليهم النزوح عن بلدتهم وبيوتهم وأرضهم جرى نقل نحو ٢٠٠ نازح إلى منطقة أخرى كي لا تصبح رميش في مرمى الاستهداف.”
دبل: النزوح يغيّر ملامح البلدة
في دبل، تبدّلت الصورة سريعًا في الأيام الأخيرة. فالمخاوف الأمنيّة دفعت عددًا كبيرًا من العائلات إلى مغادرة البلدة.
وتشير معلومات محليّة إلى أن قسمًا من الأهالي انتقل إلى رميش، أو إلى مناطق أبعد وصولًا إلى بيروت، بانتظار اتضاح المشهد الأمني.
نزوح العائلات ترك شوارع دبل أكثر هدوءًا، وأعاد طرح السؤال نفسه الذي يطرحه كثير من أبناء القرى الحدوديّة: هل يتحوّل النزوح الموقّت إلى واقع دائم؟سؤال ارتسم دموعاً في عيون أهالي دبل وعين ابل وعلما الشعب والقوزح التي فرغت جميعها من أهلها إما بشكل كلي أو جزئي.
القوزح: “إرحلوا فوراً”
في القوزح، فرض القصف وتسلل مسلحين من ميليشيا حزب الله واقعًا مأساوياً على الأهالي وتحديدا المسنين الذين كانوا يشكلون غالبية سكانها. رئيس البلدية شربل رزق يؤكّد أنّ معظم الأهالي غادروا البلدة بعد استهداف المنازل” وأصبحت القوزح شبه خالية من أهلها. ونحن على تواصل مع الدولة والصليب الأحمر ومنظمات الإغاثة لمساعدة العائلات التي غادرت.”
ويضيف أنّ البلدية تواصلت أيضًا مع السفارة البابويّة بحثًا في إمكانية تأمين عودة آمنة للسكان، لكن النصيحة كانت التريث بسبب استمرار المخاطر.
علما الشعب: ما منعرف إذا راجعين ع بيوتنا
يؤكد رئيس البلدية شادي صيّاح أن الأهالي كانوا يفضّلون البقاء في بيوتهم رغم المخاطر. ويقول: “نحن نثق بالدولة والجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية، لكن بعد التحذيرات اضطررنا لإخلاء علما الشعب. استودعنا البلدة لمريم العذراء وليسوع.”
تكشف شهادات رؤساء البلديّات والمخاتير ورجال الدين عن هاجس مشترك لدى أبناء هذه القرى: منع تحوّل بلداتهم إلى منصّات عسكريّة. فالقرى الحدوديّة تتميز بتركيبة اجتماعيّة متشابكة، حيث تربط العائلات علاقات قربى ومصاهرة تمتدّ إلى مناطق مختلفة من لبنان. لكن في زمن الحرب، قد يتحوّل إيواء قريب أو صديق إلى قرار يحمل تبعات خطيرة على القرية بأكملها، لأن أي وجود مسلّح قد يجعلها هدفًا مباشرًا.
لهذا السبب، بدأ يتشكّل بين أبناء هذه القرى وعي متزايد بضرورة حماية الطابع المدني لبلداتهم والحفاظ على المسافة بينها وبين الصراع المسلّح. ففي نظر كثيرين، هذا العامل تحديدًا هو ما أبقى هذه القرى بعيدة نسبيًّا عن الاستهداف طيلة الأعوام الماضية.
اليوم يقف مسيحيو الشريط الحدودي أمام مفترق دقيق: إمّا الحفاظ على هذا التوازن الهشّ، أو الانجرار تدريجيًّا إلى منطق الحرب. ويبقى السؤال الّذي يتردد في المجالس والكنائس والبيوت التي تسكنها الذكريات: هل تستطيع القرى المسيحيّة الحدوديّة حماية خصوصيّتها ومنع تحويلها إلى خطوط مواجهة، أم أنّ الحرب ستفرض معادلاتها عليها كما فرضتها على مناطق أخرى من الجنوب؟ وإلى متى سيستمر أبناء قرى وبلدات الشريط الحدودي المسيحية وقودا لحروب الآخرين العبثية والأهم إلى متى ستبقى هذه البلدات والقرى التي باتت ضمن حدود المنطقة العازلة التي فرضتها إسرائيل خارج معادلة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية؟























