لبنان اليوم على مفترق طرق وجودي حقيقي وخطير. إنّ مسألة طرد السفير الإيراني ليست سوى رأس جبل الجليد، لأن مشكلة لبنان أكثر تعقيدًا من استبدال سفير بآخر. لا يزال لبنان يعيش منذ زمن طويل بين مشروعين: دويلة لا تريد أن تكون دولة، بل تسعى لأن تكون جزءًا من إمبراطورية إسلامية كبرى يديرها “صاحب الزمان” ووليه الإمام خامنئي جيونيور في إيران، كما روّج السيد حسن نصرالله في منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ ودولة تمّ تدميرها في سياق مشروع “الوطن البديل”، حيث جرى استهداف حتى الحلم بقيامها يوم اغتيل الرئيس الشهيد بشير الجميل. واليوم، لا يُسمح لها بأن تقوم، حتى ولو كان الثمن تدمير الهيكل على الجميع، على طريقة شمشون.
بعد انتهاء الحرب وتطبيق اتفاق الطائف وحلّ الميليشيات، شهد عام 1993 محطة مفصلية مع أول مواجهة واسعة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، والتي ردّت عليها إسرائيل بعملية “تصفية الحساب”. في تلك المرحلة، اتجهت السلطة اللبنانية نحو خيار سيادي قضى بنزع سلاح حزب الله بالقوة، من أجل حماية الدولة وبناء جيش وطني موحّد. إلا أنّ قائد الجيش آنذاك، العماد إميل لحود، رفض تنفيذ القرار الحكومي، واستعان بالرئيس السوري حافظ الأسد لمنع هذا المسار، وفق ما أظهرته مواقفه وتصريحاته اللاحقة.
القرار الذي اتخذه قائد الجيش إميل لحود عام 1993 رجّح كفّة قيام “دويلة حزب الله الإيرانية” على كفة قيام الدولة اللبنانية الحرة المستقلة. فقد اختار، مدعومًا من سلطة الاحتلال السوري، ميليشيا “حزب الله” على بناء “جيش لبنان”. ولم يكن هذا القرار تفصيلاً عابرًا، بل شكّل نقطة انطلاق لمسار طويل من ترجيح كفّة مشروع الدويلة على حساب مشروع الدولة. ومنذ ذلك الحين، بدأت كرة الثلج تكبر: تراجع دور الجيش كمرجعية حصرية للأمن، وتكرّست ازدواجية السلطة، وتعمّقت هشاشة الدولة.
من هنا ندرك أنّ قرار الرئيس لحود، والذي أعاد إحياءه وتطويره الرئيس ميشال عون من خلال تفاهم “قاعة مار مخايل”، والقاضي بمعادلة كرسي الجمهورية مقابل الجمهورية والوطن، قد دمّر حتمًا إمكانية قيام مؤسسات لبنانية قوية وعادلة وقادرة، تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، وتفرض سيادة القانون على كامل أراضيها. كما ساهم في استمرار حزب الله كقوة عسكرية وسياسية ومالية واقتصادية وتربوية مستقلة عن الدولة الشرعية، فتكرّس بذلك واقع “الدولة داخل الدولة”، وتحول لبنان إلى ساحة مفتوحة للحروب والتدمير والتهجير، خدمةً لمصالح استراتيجية إيرانية بعيدة عن مصلحة اللبنانيين.
اليوم، وبعد أن اضطر حزب الله إلى كشف وجهه الحقيقي كفصيل من الحرس الثوري، نتيجة التطورات السريعة في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، فقدت الأطراف التي كانت تبرّر تصرفاته وتدعمه طمعًا في مكاسب سياسية آنية مصداقيتها، ما أدى إلى سقوط الحجج تباعًا، وانكشاف أن لعبة تعدد مراكز القوة لا تحمي الدول، بل تعرّضها لمخاطر مستمرة، داخلية وخارجية، وتجعل مواطنيها رهائن لصراعات لا قرار لهم فيها.
المطلوب اليوم ليس مواقف كلامية وقرارات صورية، بل تفكيك المنظومة الفكرية والعقيدة الأمنية التي ترسّخت خلال مرحلة إميل لحود، واكتملت صورتها مع ميشال عون، والتي ساهمت في إضعاف دور الجيش والروح القتالية لأفراده، وإرباك مفهوم السيادة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء عقيدة وطنية حديثة وواضحة، تعيد للجندي ثقته، وللمؤسسة العسكرية دورها الطبيعي كضامن وحيد للأمن، وتكرّس هيبة الدولة وسلطتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، من دون أي استثناء أو ازدواجية.
بقاء لبنان مرهون بقدرته على إدارة تعدديته الثقافية والفكرية والدينية بطريقة علمية وشفافة، بما يفضي إلى إنتاج عقد اجتماعي حديث وواضح، يؤسّس لمشاركة جميع مكوّناته عن قناعة راسخة في مشروع بناء الدولة. دولةٌ تقوم على نظام سياسي مستدام، قادر على تحصين نفسه، فلا يبقى رهينة تقلبات أزمات الشرق. وكما قال الرئيس الشهيد بشير الجميل:”أنا كلبناني اليوم، مني مستعد كلما فرخ عبد الناصر جديد، أو كلما بين خميني جديد، أو كلما بينت قضية فلسطينية جديدة… انا مني مستعد كلبناني كلما خلقت ازمة ب هل الشرق الاوسط بصفي بلدي وبصفي جسمي وبصفي روحي، حقل إختبار….”
اليوم، إما أن تستعيد الدولة اللبنانية قرارها الكامل عبر إدارة التعددية، أو يستمر التآكل حتى يفقد لبنان مبرر وجوده، وعندها قد يصبح الطلاق أبغض الحلال.























