بين ذكرى الشهداء في السادس من أيار والرابع من آب جرح المرفأ المفتوح، تمتدّ ذاكرة لبنانية مثقلة بمحطات فقدٍ لم تتحوّل بعد إلى عدالة. تاريخان يفصل بينهما الزمن، لكن يجمعهما سؤال واحد: كيف يمكن لوطن أن يحفظ ذاكرته من دون أن يترجمها إلى مساءلة ومحاسبة؟
في هذا السياق، يكتسب عنوان مبادرة 4 آب هذه السنة، «سلام وعدالة لذكراهم»، بعداً يتجاوز الرمزية، ليؤكّد أن السلام لا يمكن أن يقوم بمعزل عن العدالة. فالتاريخ، حين يُستعاد بلا محاسبة، يتحوّل إلى مجرّد طقس، فيما المطلوب هو تحويل الذاكرة إلى وعيٍ حيّ يدفع نحو التغيير.
لا ينفصل هذا الطرح عن البعد التربوي للمبادرة، حيث يشكّل إدخال هذه القضية إلى المدارس خطوة أساسية في بناء وعي الأجيال الجديدة. فالطلاب اليوم ليسوا بعيدين عن هذه القضايا، بل هم في صلبها، لأن الذاكرة إن لم تُنقل وتُفهم، تصبح عرضة للنسيان. من هنا، يأتي التركيز على دورهم كشركاء في معركة العدالة، ليس فقط عبر التذكّر، بل من خلال طرح الأسئلة، ورفض التطبيع مع غياب المحاسبة، وتكوين حسّ نقدي يرفض تكرار الأخطاء.
في حديث لـ»المسيرة» يشرح مسؤول مبادرة 4 آب المهندس إيلي حصروتي أن قضية المرفأ هي قضية وعي بامتياز، والجرح الشخصي مكّنه من الإنطلاق نحو المجتمع الأكبر لطرح الصوت وبناء شراكة لغتها العدالة والسلام، إذ لا سلام من غير عدالة.
وأوضح حصروتي أن جوهر المبادرة يقوم على تحويل موقع الإنسان من الضحية إلى الفاعل، ومن المتلقي للألم إلى المبادر في مواجهته. هكذا لن نعود مجرّد ضحية لمأساتنا، بل نصبح جزءاً من الحل ونعمل على خلق ظروف تسمح لنا بالنمو بكرامة في قلب الواقع، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فالمأساة التي عاشها لبنان لم تكن حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات، مما يجعل من الوعي والمحاسبة شرطين أساسيين لكسر هذه الحلقة.
وفي حديثه عن المسار القضائي في قضية تفجير مرفأ بيروت، أكّد حصروتي أن المسار الذي سلكه الملف كان «سيئاً وانحدارياً»، سواء على المستوى الداخلي أو في مجمل التعاطي مع القضية، مشيراً إلى أن هذا الواقع ينعكس على ثقة الناس بالقضاء، في ظل غياب مؤشرات واضحة نحو تحقيق العدالة.
وعلى رغم ذلك، شدّد على مقاربة يختصرها بعبارة «تشاؤم بالعقل وتفاؤل بالإرادة»، معتبراً أن الإعتراف بواقع الأزمة لا يعني الإستسلام لها، بل يستدعي التمسّك بإرادة التغيير. وأضاف أن معركة العدالة لم تعد محصورة في الأطر القضائية، بل أصبحت مسؤولية مجتمعية أوسع، تبدأ من وعي الأفراد وتمتد إلى قدرتهم على المطالبة والمساءلة.
وعن تعاونه مع الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، أوضح حصروتي أن الطلاب والشباب هم محور اهتمامه لما يملكونه من طاقة وعلم وقدرة على التأثير في المجتمع. لذلك طُرحت هذه المبادرة على الأمانة العامة، وبدأ التعاون منذ أربعة أعوام من خلال التواصل الدائم، وعرض الأفكار على الهيئة التمثيلية، والإتفاق على شعار لـ6 أيار، وهي فرصة لكي نعيد للشهداء اعتبارهم، خصوصًا لأنهم شهدوا للحقيقة بامتياز ورفضوا أن يعيشوا الكذبة زمن العثمانيين.
وأشار إلى أن الشهادة في السادس من أيار تحمل معنى التحرر والتعلّم، وفي 4 آب نعي مسؤولياتنا حتى لا يتكرر ما حدث. وأكد حصروتي أن الرسالة الأساسية للطلاب هي عدم لعب دور الضحية وتحمُّل مسؤولية حياتنا ووطننا، وأن إدخال هذه المبادرة إلى المدارس هي خطوة أساسية. ومن هنا تأتي المبادرة، بحسب تعبيره، كمساحة لإبقاء القضية حيّة في الوعي العام ومنع سقوطها في النسيان أو التهميش إلى حين الوصول إلى حقيقة واضحة وإنصاف كامل للضحايا.
في هذا السياق يرى أمين عام المدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر أنّ هناك قاسمًا مشتركًا عميقًا بين 6 أيار و4 آب، يتمثّل في معنى الشهادة، أي بذل الذات من أجل قضية تتجاوز الفرد، سواء أكانت وطنية أو إنسانية أو روحية. فالشهادة، في بعدها الروحي، تنطلق من مثال المسيح الذي قدّم ذاته محبةً بالإنسان، وفي بعدها الوطني تعبّر عن التضحية في سبيل بقاء الوطن وكرامته.
ومن هنا، تسعى المدرسة إلى ترسيخ هذه القيم لدى الطلاب، من خلال تنشئة قائمة على العدالة والسلام والمحبة والعطاء. فالتربية، لا يمكن أن تقوم من دون منظومة قيم واضحة، تُترجم في كل تفاصيل الحياة المدرسية، من التعليم إلى النشاطات اليومية.
من هنا، يشكّل تفجير 4 آب محطة أساسية لإعادة طرح هذه القيم، إذ يسلّط الضوء على أهمية العدالة وضرورة بناء السلام. فالعدالة لا تقتصر على المحاسبة، بل تبدأ بكشف الحقيقة والإجابة عن الأسئلة التي لا تزال عالقة، وإنصاف الضحايا وذويهم. أما السلام، فهو مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع بأكمله
ويؤكد الأب نصر أن المدرسة تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على الذاكرة الوطنية، من خلال إبقائها حيّة في وجدان الطلاب، عبر نشاطات تربوية وثقافية، ولقاءات مع أهالي الضحايا والناجين، بما يساعد على تحويل الذكرى إلى مساحة للتعلّم واستخلاص العِبر.
أما على مستوى التفاعل، فيشير إلى أنّ الطلاب يُبدون تجاوبًا كبيرًا مع هذه المواضيع، حيث تنمّي لديهم حسّ التعاطف والإنتماء، وتُعزّز وعيهم الإنساني. فالمدرسة، كما يوضح، ليست مساحة معزولة، بل جزءًا من مشروع إنساني أكبر، يهدف إلى بناء الإنسان وتنمية قدراته وقيمه.
وفي ما يتعلّق بالتعاون مع مبادرة «4 آب»، يلفت إلى أنّ هذا التعاون مستمر منذ سنوات، وقد تُرجم عبر أنشطة متعددة داخل المدارس، من محاضرات وندوات إلى مبادرات فنية وتربوية، بهدف إبقاء القضية حيّة في الوعي الجماعي.
أما الرسالة الأساسية التي تسعى هذه المبادرات إلى إيصالها للطلاب، فهي واضحة: التمسّك بالعدالة، والعمل من أجل السلام، وعدم الإستسلام للنسيان. فما حصل يجب أن يتحوّل إلى درس، يدفع نحو بناء مجتمع أكثر إنصافًا، يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.
وعلى رغم التحديات التي يفرضها تسارع العصر وتبدّل الأولويات، يشدّد الأب نصر على ضرورة الإستمرار في تسليط الضوء على القضايا الإنسانية، كي لا تتراجع في وعي الأجيال الجديدة، بل تبقى جزءًا أساسيًا من تكوينهم ومسؤوليتهم كمواطنين.
وفي المحصلة، لا تبدو مسؤولية الدولة في السادس من أيار والرابع من آب تفصيلاً عابراً في مسار الذاكرة، بل جزءاً أساسياً من الأزمة نفسها. ففي قضية تفجير المرفأ، بقي التحقيق معلّقاً بين التجاذبات السياسية والضغوط القضائية، فيما وجد أهالي الضحايا أنفسهم مراراً أمام عدالة مؤجلة وأسئلة بلا أجوبة. ومع مرور الوقت، لم تخلُ بعض التحركات والمبادرات المرتبطة بالقضية من محاولات إستثمار سياسي أو شخصي، ما ساهم أحياناً في تشويش جوهر القضية وتحويلها من مطلب وطني جامع إلى مساحة تتداخل فيها الحسابات والمصالح. أما في السادس من أيار، فإن إلغاء العطلة الرسمية المرتبطة بعيد الشهداء لم يُقرأ لدى كثيرين كإجراء إداري فحسب، بل كإشارة إضافية إلى تراجع حضور الذاكرة الوطنية في أولويات السلطة. وبين العدالة المعلّقة والذاكرة التي تتراجع تدريجياً، يبقى الخوف الأكبر من أن تتحوّل المناسبتان إلى محطتين عابرتين في الوعي العام، بدل أن تكونا مناسبة دائمة لمحاسبة حقيقية وحفظ الذاكرة الجماعية.





















