تعلّمت الكتابة في المدرسة. كأنّي ما تعلّمت. القلم في يدي يخربش ولا يكتب. المعاني من دون تركيز خربشات بعيدة عن الرصانة.
الحلّ كان عند أستاذ الأدب العربي في المرحلة المتوسّطة، قال لي: “الذنب ليس ذنبك، فلم يكتشف موهبتك أحدٌ”. ينظر إلى فيض الحبر على الورق، تنمو الضحكة بين شفتيه، يترعرع سؤال: “هذه… كتابة تلميذ بارع في جميع المواد ما عدا الأدب؟ كلّ شيء في كتاباتك إلّا ملامح الأديب، علاماتك جيّدة، ما عدا الإنشاء. الأفضل الّا تجيد الأدب في مسرح الحياة، لكن بذكائك يجب أن تحدّد الصح من الخطأ. كإسهابك أمامي في تحليل كلّ حادثة مرّت أمامك في القرية”.
زاد عمري فكبرت. نزل عمر أستاذي إلى الصفر فغاب. خطفه الموت عن دنيا التراب، لقد راح… راح بعيدًا في موكب إلى حياة جديدة آمن بها. إنّما ضحكته ونصائحه لا تنخطف ولا تروح. هي… هي تجري في ذاكرتي، تتمايل كالضباب في سكينة الروح: “بذكائك يجب أن تحدّد الصح من الخطأ” وكأنّي به يقول: أنت ناقد بالفطرة.
لا أحمل في دواخلي إلّا انطباعي عن كل حادثة مرّت في حياتي منذ الصغر. هي انطباعات صادقة وهبتني إيّاها الحياة. لا أتذكّرها للتمويه والتضليل. أو للظهور بمظهر غير مظهري. فالتزوير جريمة، وكيف أرتكب جريمة التزوير؟
وها قد أجدت النقد الانطباعي. فالتقريظ يجد عشّاقًا ومعجبين، لأنّه يعيش في عالم الكتّاب المزوّر. أما قراءتي بالكتب واللوحات فتعيش في وحشة وغربة. لأنّها أصلية لا تعرف التزوير، فهي صادرة عن قلب نقي. كيف هذا وأنا أكتب التقريظ بعيدًا عن النقد الأكاديمي؟
أجل… إني بريء، غير مجرم، لأني لم أرتكب جرائم أدبيّة، على رغم أنّني امتلك الموهبة، وأخرج منها تقريظًا أو نقدًا موضوعيًا. وإن كنتم تشكّون في براءتي، اطلبوا الدليل من توصيف أستاذي، عنده الخبر اليقين.
كيف لكاتب أن يخاف ناقدًا لا يجعل نقده محكمة معقودة؟ فمحرّر هذه الأسطر لم يمثل أمام محلّفين قد يجرّمونه إن غيّر في إفادته، كما أنّه ليس قاضيًا يدين ويبرّئ، ولا جلّادًا يقطع الرؤوس. فظروف الحياة وضعته في موضع النقد، وأصبح شريكًا للمبدع متواطئًا معه في خدمة رؤياه، على الرغم من معرفته اليقينة بانحراف وسائل الكاتب عن جوهر غايته عند حصول هذا الأمر.
من موقعي البعيد عن الأكاديميّة، لأنّ تحصيلي هو حصيلة اختصاصٍ ليس ادبيًّا، لم أمارس النقد الموضوعي على الرغم من إجادته، فقد تضاعفت مهمّتي. والخبر اليقين عن هذه المضاعفة جاء على خلفيّة استياء أحد الروائيّين من نقد بنّاء كتبته بإحدى رواياته. ولأنّ سلاحي بساطة كتابة تكشف عمق معانٍ، ودرعي قلب وخيال، استساغ الكاتب قراءتي بروايته، لكنه كان يتجهّم في كلّ مرّة يعيد قراءة ما حبّرت. ومذ ذاك الوقت أصبحت أكتب قراءتين في كلّ كتاب أو موضوع يقع تحت قلمي، قراءة موضوعيّة أكاديميّة، تبقى في الحِرز، وأخرى تظهر مواصفاتها في الدوريّات والمواقع الإلكترونيّة تقريظًا محبّبًا لدى كتاب ناشئين ومخضرمين، ليس لأنّهم لا يتقبّلون النقد، بل لأن النرجسيّة تسكنهم. وهنا لا أعمّم لكن الأغلبيّة كذلك.
لم أعد إلى مرجعٍ عصريّ متينٍ ومقتضب، كثيفٍ وميسّر، من النقد الأدبيّ. فمعرفتي بالنقد كمنت في بطون الكتب التي قرأتها، ولم أنل من النقد النصيب الوافر، إلّا بعد قراءة أكثر من خمسمئة كتاب. فأصابني ما سمِّي نقدًا حملته إليّ صفحاتٌ توصف بالثقافيّة، يوم كان الورق يبارك ويدين كلّ حامل قلم، قبل أن يتطوّع مفهوم الحداثة ليمسي ذريعةً تشرّع الهدم وتبرّر الإغراب.
ماجدوى النقد الإنطباعي؟ أتراه أدبًا أم علمًا؟ حتى ولو كان الناقد شريكًا للمبدع، فما وجه الشركة وكيف تتكامل قراءة الناقد مع النص المنقود؟ ولأنّني لم أعد إلى أوائل النصوص التي ربطت بين كلمة ناقد ومن يقوم بتحليل المادّة الأدبيّة وتفحّصها كابن سلام الجمحيّ. ولم أناصب جمهوريّة افلاطون العداء، هو الذي حملت كتاباته دقّة ورقّة وروحاً وجمال. ولم يعنِ لي الهذيان الروحيّ الذي أظهره زيغموند فرويد، في تحريره العقل الباطني من مكوّناته الضاغطة عن طريق إظهارها إلى العلن. كما أنّني لم الج العلم الذي سبرت خفاياه المدارس النقديّة الغربيّة، كالبنيويّة أو الماركسيّة أو التشكيليّة الروسيّة، أو مدرسة جنيف ونقدها الأدبي الموضوعيّ… لهذا أستكمل سعادتي الكبرى بمعانقة نتاج كتّاب، ووضع مضامينه في خدمة قرّاء معاصرين من كافّة الأعمار والتوجّهات، بدل المباهاة في امتلاك مضمون هذا النتاج.
فهل تستمرّ الحكاية، باستمرار الطويّة الانطباعيّة البعيدة عن الفلسفة في نقدي؟ هي التي سمحت لي بأن أضفي وضوحًا وشمولَا، على كلّ كتاب أكتب به قراءة. فلا حاجة لي أن أعتنق المذاهب النقديّة، والإتّجاهات الفلسفيّة العميقة والمتماسكة، ليس لأني لست بحاجة إلى هذا العلم الكانز، لكن في محاولة منّي للابتعاد عن استنباط الفكر الجدليّ، وإبقاء نَصّيِ في إطار البساطة التي ترتقي إلى الجمال، إذا استطعت لذلك سبيلًا.
وتستمرّ حكاية ناقد، باستمرار خافق يولّد نبضًا، على الرغم من أفول زمن الحبر، وسيطرة زمن الثورة الرقميّة بكلّ اشكالها. فهل ستستمرّ الحاجة للنقد بوجود الذكاء الاصطناعيّ، الذي يفنّد المؤلّف ويعطي انطباعًا أدبيًا نابعًا من أبحاث كُتبت على الورق، ومن آراء طُبعت على جداريّات المواقع الإلكترونيّة؟ وكيف لنقده أن يحوي روحًا، فللربّ وحده يعود الفضل في إعطاء الحياة للنصوص تأليفًا ونقدًا، أليس هو الذي نفح الروح في فكر الكاتب وقلم الناقد؟
وها أنّي، بعد أن اجتزت العديد من العقبات الكأداء، بمساعدة شلّة من الأصدقاء المثقفين، لا أعلم مدى تأهّبي لكل مبارزة واعتراك وتضحيّة في حقل النقد. وسأستمر بالمحاولة في انتزاع شعلة الأدب من الصفحات، فيما كلّ كتاب يقع بين يديّ، يُغرق ثقافتي المتواضعة بطوفان معلومات خارجة من بين دفتيه، كضباب بلون الحبر ورائحة الورق.
أيا ربّي، إنّي أقدّم لك كل تدويناتي، وجميع أفكاري، وأفعالي، وذاتي الثقافيّة بأسرها، وبخاصة نقدي الانطباعيّ، فحرّك قلبي، لكي اجتني منه الثمرة التي ترغبها مني ثقافة موطني.
*المقال الذي نال على أثره الكاتب جائزة “ناجي نعمان الأدبية” لسنة 2026 وسيتم نشرها مع الأعمال الفائزة خلال شهر تموز في كتاب الجوائز لهذه السنة من ضمن سلسلة “الثقافة بالمجّان” التي تصدر عن مؤسسة ناجي نعمان للثقافة بالمجّان.






















