المسيرة- في لبنان، ليس “الفيل في الغرفة” لغزًا ولا سرًا ولا مسألة تحتاج إلى تحقيق طويل كما في القصة الإنكليزية التي كانت أصل المثل. إنه السؤال الذي يهرب منه السياسيون والسلطة والحكومة ومجلس النواب والإعلام وقسم كبير من الشعب منذ سنوات: من يملك القرار السيادي النهائي في الدولة اللبنانية؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يملك حق استخدام القوة؟ كل ما عدا ذلك تفاصيل بسيطة، مهما كانت مهمة.
يمكن للبنان أن يناقش الانتخابات، والإصلاح المالي، والكهرباء، والاتصالات، والمصارف، والتعيينات، والموازنة، والقضاء، والعلاقات الخارجية، وأن يضع عشرات الخطط الاقتصادية والإدارية، وأن يفاوض البنك الدولي ويطلب مساعدات عربية ودولية للإعمار. لكن على الجميع أن يكونوا على يقين كامل أنه لا يمكن للبنان كدولة أن يستعيد عافيته ما دام يبقى داخل حدوده سلاحٌ وقرارٌ عسكري لا يخضعان بصورة كاملة للسلطة الشرعية.
هذه ليست مسألة طائفية أو عداءً لفئة لبنانية، ولا خلافًا على هوية المقاومة والأراضي المحتلة، ولا محاولة لإلغاء تاريخ طويل من الصراعات والاحتلالات؛ إنها ببساطة مسألة حقيقة الدولة. فالدولة التي لا تحتكر قرار استخدام القوة لا تكون دولة صاحبة سيادة، مهما كانت نصوص دستورها، ومهما رفعت من شعارات السيادة والاستقلال، ومهما ألقت سلطتها من خطابات رنانة وبيانات إنشائية.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى: لدينا دولة تعلن أنها صاحبة السيادة، ومؤسسات رسمية تتحدث عن حصرية السلاح، وجيش يحمل اسم الدولة وشعارها، وحكومات تتخذ قرارات تتعلق بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، لكن في المقابل هناك واقع سياسي وعسكري يجعل تنفيذ هذه القرارات أكثر تعقيدًا من إعلانها.
والأخطر أن جزءًا أساسيًا من الطبقة السياسية واقع تحت إغراءات المصالح الخاصة وأحلام السلطة، وقد قيل قديمًا: “من يستفيد من الباطل لا يمكنه الدفاع عن الحق”. فقد تعلمت الطبقة السياسية كيف تعيش داخل المنطقة الرمادية للحفاظ على مصالحها وتعزيز قدراتها ومراكزها السلطوية الضيقة؛ فهي ترفض الاعتراف الصريح بازدواجية السلطة، لكنها في الوقت نفسه تتكيف معها. ترفع شعار الدولة عندما يكون هناك ضغط دولي، وتستعيد خطاب المقاومة عندما تكون حسابات المصالح الانتخابية والسلطوية الداخلية أكثر ملاءمة، وتترك المواطن اللبناني عالقًا بين سلطتين: سلطة دستورية تملك الشرعية، وسلطة فعلية تملك القدرة على فرض وقائعها.
وهكذا أصبح اللبناني يعيش تناقضًا مخيفًا: سلطة تدعي أن قرار الحرب والسلم ملكها، بينما في الحقيقة فإن حزب الله قادر على أن يجر البلاد إلى مواجهة لا يملك المواطن العادي قرار الدخول فيها ولا الخروج منها. سلطة تقول إن السلاح يجب أن يكون حصريًا بيد مؤسساتها، بينما يبقى السلاح خارجها يسرح ويمرح من دون حسيب أو رقيب. سلطة تريد أن تفاوض العالم باسم لبنان، بينما يعرف العالم أنها غير قادرة على الإيفاء بتعهداتها… وهنا بالضبط يقف الفيل في غرفة الوطن.
ولأن الحقيقة مؤلمة ومحزنة ومخجلة في الوقت ذاته، جرى إلباسها طوال سنوات مجموعةً من الأقنعة المزيفة: “المعادلة الذهبية”، “الردع”، “المقاومة”، “الاستراتيجية الدفاعية”، “الظروف الاستثنائية”، و”المرحلة الحساسة”. قد تكون لكل هذه العبارات دلالاتها السياسية والتاريخية، لكن لا يمكنها أن تلغي السؤال الأساسي: هل يوجد في لبنان قرار عسكري واحد؟
قد يقول قائل إن هذا السلاح نشأ في ظروف استثنائية، وإن له تاريخًا مرتبطًا بمواجهة إسرائيل. وقد يقول آخر إن التخلي عنه في ظل التهديدات الإسرائيلية ليس واقعيًا. قد يكون هذا الكلام جزءًا من الحقيقة، ولكن الجزء الأهم شرحته الكتب والبيانات الصادرة عن أصحاب السلاح أنفسهم؛ فمن البيان التأسيسي لحزب الله، إلى الأحاديث المطولة للمفكر سعود المولى عن المشروع الإيراني لبناء حزب الله ومعارضة الشيخ محمد مهدي شمس الدين لهذا المشروع الخطير، بالإضافة إلى تصريحات الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله ابتداءً من منتصف الثمانينيات وصولًا إلى كتب ومنشورات الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم، كلها دلائل على أن الحقيقة أعمق وأخطر مما يُسوَّق له.
الدولة لا تستطيع أن تبني مستقبلها على الاستثناء؛ فالاستثناء الذي يستمر عقودًا يتحول إلى نظام، والنظام الموازي يتحول مع الوقت إلى واقع ينافس الدولة على وظائفها الأساسية.
لقد أصبح المشهد مألوفًا إلى درجة مخيفة: أزمة جديدة، تصريحات متناقضة، تحرك دبلوماسي، تهديد إسرائيلي، موقف رسمي لبناني، وموقف آخر يصدر من خارج المؤسسات الرسمية… ثم تعود البلاد في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث. لكن في كل مرة يحدث فيها ذلك، تتراجع هيبة الدولة خطوة أخرى.
هل لبنان دولة واحدة أم مجموعة عشائر تتعايش فوق أرض واحدة؟
هل الجيش هو المؤسسة العسكرية الوطنية الوحيدة؟
هل الحكومة تملك القرار النهائي فعلًا أم تملك فقط حق إصدار البيانات؟
هل رئيس الجمهورية هو رأس الدولة وصاحب الموقع السيادي الأعلى، أم أن هناك قرارات مصيرية لا تستطيع الدولة الاقتراب منها؟
وهل المواطن اللبناني هو صاحب الحق في تقرير مصيره من خلال مؤسساته الدستورية، أم أن قرارات كبرى يمكن أن تُتخذ فوق رأسه ثم يُطلب منه دفع ثمنها؟
إذا كان هذا السلاح، الذي أخذ فرصته منذ خمسين سنة واحتضنته الدولة اللبنانية منذ العام 1993 كما صرح الرئيس السابق إميل لحود، وبنى الأنفاق وأحضر الصواريخ وامتص خيرات الوطن تحت شعار “لصالح المقاومة” وبنى جيشًا ضخمًا، لم يستطع أن يحقق أي شيء عند أول اختبار جدي، فما هي الحكمة من المطالبة بإكمال مشروع فاشل؟
إن الاستمرار في الهروب من الحقيقة ورفض رؤية الفيل في الغرفة لن يحل المشكلة؛ بل سيجعل كلفة الحل أعلى.
ليس المطلوب من اللبنانيين أن يتفقوا على كل روايات الماضي، ولا أن يمحوا ذاكرة الحروب، ولا أن ينكروا تضحيات بعضهم؛ المطلوب أن يتفقوا على المستقبل: لا دولة مع قرارين، ولا سيادة مع قوتين، ولا استقرار دائمًا مع حرب وسلام لا تملك الدولة وحدها قرارهما.
قد تكون هذه الحقيقة مؤلمة، لكنها أقل ألمًا من الاستمرار في إنكارها.























