بين القائد والمُتَقائِد...كرسي فارغ وذاكرة وطن

المسيرة – القائدُ لا يصنعُ أتباعًا، بل يُخرِّجُ قادةً. إنَّه مدرسةٌ تُقاسُ بعطائها، لا بعدد المصفِّقين لها. وحضورُه لا يختصر المسيرة، بل يضمن استمرارها.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

في الأزمات، يكون أوَّلَ المتقدِّمين، يحمل العبءَ قبل أن يطلب من غيره حمله. وفي زمن السِّلم، يجلس بين جماعته واحدًا منهم، لا تفصل بينه وبينهم حواجزُ المنصب ولا ألقابُ السلطة. لا يتفاخر بموقعه، ولا يستغلُّ من يقودهم، بل يُضحّي براحته ووقته من أجلهم. فالقيادة، في جوهرها، خدمةٌ تُؤدَّى، لا امتيازٌ يُكتسب.

القائدُ يتقدَّم الناس بالمثال قبل الكلام، وبالتضحية قبل الأوامر، وبالمحبّة قبل السلطة. لذلك يخرج من مدرسته قادةٌ يحملون الرسالة نفسها، ويواصلون المسيرة من بعده، لأنَّه علَّمهم كيف يقودون، لا كيف يتبعون.

أمّا المُتَقائِد، فقد يصل إلى موقعه بقانونٍ أو تعيينٍ أو ظرف عائلي، لكنَّه لم يبلغ القيادة في جوهرها. ولأنَّه يدرك في أعماقه هشاشةَ موقعه، يعيش أسيرَ الخوف من فقدان امتيازاته، فيستبدل الثقة بالسيطرة، والاحترام بالهيبة المصطنعة، والإقناع بالقهر، والخدمة بالتسلُّط. يطلب الطاعة لأنَّه لا يستطيع أن يستحقَّها، ويظنُّ أنَّ رفع الصوت يصنع الهيبة، بينما لا يكشف إلا عن ضعفه.

القائدُ يكسب قلوب الناس، فيطيعونه عن قناعةٍ واحترام، ويغرس فيهم روح المبادرة والمسؤوليّة. أمّا المُتَقائِد، فيفرض نفسه بالمنصب، فينال طاعةً ظاهرها الخضوع، وباطنها الرفض. وما إن تزول سلطته، حتى تزول معها هيبته، لأنَّ الخوف لا يصنع ولاءً، ولا يبني مستقبلًا.

القائدُ لا يحتاج إلى أن يقول إنَّه قائد، لأنَّ سيرته تنطق عنه، وأعماله تشهد له. أمّا المُتَقائِد، فيُكثر من التذكير بلقبه، لأنَّه يخشى أن تفضحه أفعاله.

ولبنان، شأنُه شأنُ كثيرٍ من الأوطان، عرف قادةً ومُتَقائِدين. عرف رجالًا ونساءً حملوا الوطن في قلوبهم، فبذلوا ذواتهم من أجله، فبقوا في ذاكرته لأنَّهم أحبّوا الوطن أكثر ممّا أحبّوا أنفسهم. كما عرف آخرين جعلوا الوطن وسيلةً لمصالحهم، فباعوا المصلحة العامّة لقاء مكاسبهم الخاصّة، غير عابئين بمصير الوطن ولا بمستقبل أبنائه.

لذلك يبقى القادة، وإن غابوا عن العيون، لأنَّهم يسكنون ضمير الوطن. أمّا المُتَقائِدون، فما إن تغيب عنهم السلطة حتى يغيبوا معها، لأنَّهم لم يتركوا وراءهم سوى كراسٍ فارغة وذكرى لا يحنّ إليها أحد.

فالقيادة ليست منصبًا يُمنح، بل رسالةٌ تُعاش؛ وليست سلطةً تُمارَس، بل أمانةٌ تُحفَظ. وفي النهاية، لا يخلِّد التاريخُ مَن جلس على الكرسي، بل مَن حمل الوطن على كتفيه، وصان كرامة الإنسان، وترك للأجيال وطنًا أكثر عدلًا، وأكثر قوّةً، وأكثر إنسانيّة.

حكاية صورة

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?