لم تكن تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف مجرد استعراض قوة، بل كانت إعلاناً صريحاً ومستفزاً عن مصادرة القرار اللبناني. لقد كشف الرجل، بلا خجل، حقيقة المخطط الإيراني الاستراتيجي الذي بدأ منذ نجاح الثورة الخمينية في إيران: لبنان بالنسبة إلى طهران ليس دولة، بل مقاطعة ملحقة بالإمبراطورية الخمينية، و«حزب الله» ليس جزءاً من الطائفة الشيعية اللبنانية، بل مجرد فيلق عسكري ينفذ أوامر الولي الفقيه.
حين يفاخر قاليباف بأن إيران أوقفت مفاوضاتها مع واشنطن بسبب ضربة في الضاحية، وأن ملف «حزب الله» يُدار ويُفاوض عليه مباشرة من طهران، فهو لا يدافع عن لبنان، بل يجعله مجرد ورقة بيد وكالة التفاوض الإيرانية. وحين يتباهى بالتواصل المباشر مع المقاتلين على الجبهة، فهو، بالدرجة الأولى، يوجه رسالة إلى من يهمه الأمر مفادها أن القرار العسكري والميداني والسياسي لـ«حزب الله» يُطبخ في أروقة الحرس الثوري في طهران.
هنا تماماً ينكشف السبب الحقيقي والعميق لرفض «حزب الله» أي مفاوضات جدية أو حلول سياسية تؤدي إلى وقف إطلاق النار واستعادة الدولة لقرارها. فالمفاوضات والحلول السياسية تعني، ببساطة، الخضوع لمنطق الدولة والحدود، والتخلي عن دور «الساحة المفتوحة» لصالح مشروع الولي الفقيه. وفقدان ورقة المقايضة يعني إنهاء دور الحزب كأداة ابتزاز إقليمية تستخدمها طهران لتحسين شروط نظامها مع الغرب.
إن أي تفاوض حقيقي يستلزم تسليم السلاح لحصرية الدولة، وهو ما يعني رصاصة الرحمة على مشروع «الجمهورية الإسلامية الكبرى» في لبنان.
إنهم لا يريدون حلاً سياسياً يوقف الحرب والدمار، لأن «السلم» يقتل وظيفة «حزب الله» العابرة للحدود؛ فالحزب لا يستمد وجوده من بناء الدولة والوطن، بل من إبقاء البلد في حالة نزيف دائم تجعله، في اللحظة المناسبة، جزءاً من الإمبراطورية الخمينية الكبرى التي بشّر بها الإمام الخميني في كتابه «الجمهورية الإسلامية».
علماً أنه في ثمانينيات القرن الماضي، قالها السيد حسن نصر الله بوضوح وصراحة: «مشروعنا هو مشروع الدولة الإسلامية… وأن يكون لبنان جزءاً من الدولة الإسلامية الكبرى التي يحكمها الولي الفقيه».
منذ تطبيق اتفاق الطائف وحتى اليوم، لم يتوقف الوصوليون وتجار السياسة عن محاولة إقناع اللبنانيين بأن هذا «كلام تأسيسي قديم»، وأن «حزب الله» قد «تَلَبْنَنَ» وأصبح جزءاً من النسيج السياسي اللبناني. وروّج لهذا الوهم، في مراحل مختلفة، أبواق الرئيس السابق ميشال عون بعد توقيع ما سُمّي «اتفاق مار مخايل»، إلى جانب حملات أيتام النظام السوري ومخلّفات اليسار اللبناني التائه، الذين وجدوا في تبرير الأمر الواقع وسيلةً للبقاء في المشهد السياسي.
اليوم، تسقط هذه الأوهام المخدِّرة واحداً تلو الآخر. تصريحات قاليباف لم تترك مساحة كبيرة للمناورة، بل أسقطت الأقنعة وعرّت جشع وطمع طبقة سياسية فاقدة للحس الوطني، تواطأت طويلاً على حساب السيادة اللبنانية، وشاركت في تحويل الاستثناء المسلّح إلى أمر واقع، ثم حاولت تسويقه باعتباره جزءاً طبيعياً من الدولة.
فما كان يُقدَّم بالأمس على أنه مجرد شعارات عقائدية تنتمي إلى مرحلة تأسيسية بعيدة، تكشف الوقائع اليوم أنه تحوّل إلى منظومة نفوذ عسكرية وسياسية عابرة للحدود، تُبقي لبنان مرتبطاً بمشروع إقليمي يتجاوز دولته وحدودها وقرارها الوطني.
لقد انتقل المشروع الخميني من النصوص والشعارات إلى الوقائع والممارسة. وما كان يُسوَّق على أنه «لبننة» لحزب الله لم يكن، سوى عملية تكييف سياسي لمشروع لم يتخلَّ يوما عن مرجعيته الأساسية.
وهنا تحديداً تنكشف الخديعة الكبرى: لم يتغيّر المشروع بقدر ما تغيّرت اللغة المستخدمة في تسويقه.
لقد سقط قناع «التلبنن»، وبقي السؤال الذي لم يعد ممكناً الهروب منه: هل نحن أمام حزب لبناني يملك قرار سلاحه، أم أمام ذراع لمشروع إيراني ؟
هل نرضى بأن نكون عبيداً في مشروع إقليمي؟ المشكلة لم تعد مجرد «سلاح خارج أطر الدولة»، بل هي مشكلة سلب سيادة واختطاف شعب بأكمله… من يقرر الحرب والسلم؟ بيروت أم طهران؟ ومن يحدد متى تفاوض بيروت ومتى تحترق؟ رئيس جمهورية لبنان أم الولي الفقيه؟
إننا أمام مفترق طرق خطير لا يحتمل المساومة أو الرمادية: إما دولة لبنانية تفرض سلطتها بقوة القانون والسلاح الشرعي، وإما البقاء كوقود في محرقة المشروع الإيراني.























