لبنان ليس غنيمةً للمنتصر، ولا ملكًا لفئةٍ دون أخرى.

هكذا تُبنى الأوطان

المسيرة – كما يبدو، اختار العدوُّ أضعفَ الحلقات في لبنان ليُزيحها من طريق تحقيق مشروعه، كما يظنّ ويحلّل، وكما انتهى إلى نتيجةٍ تُرضيه؛ لا لأنّها صحيحة بالضرورة، بل لأنّ الوهم كثيرًا ما يُنتج نتائجَ تُرضي أصحابَه.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

فالمشروع الذي يقوم على الوهم لا يستطيع أن يصنع مستقبلًا، ولا أن يبني وطنًا. وقد تُفرَض بعض المشاريع بالقوّة في لحظةٍ من لحظات التاريخ، لكنّ القوّة لا تمنحها بالضرورة شرعيّةً، ولا تجعلها قابلةً للحياة. فالتاريخ لا يتحرّك إلى الوراء، والحاضر لا يُختزل في موازين القوّة، والمستقبل لا تصنعه انتصاراتٌ عابرة.
ولهذا، فإنّ كلَّ مشروعٍ يقوم على إلغاء الآخر محكومٌ بأن يصطدم بحقيقة الإنسان والتاريخ معًا؛ لأنّ الوطن لا يصبح وطنًا حين ينتصر فيه طرفٌ على طرف، بل حين يجد المختلفون فيه مساحةً يتّسعون لها جميعًا.
لكنّ أخطرَ ما يواجه الوطن ليس دائمًا العدوَّ الخارجي، بل ما قد يتسلّل إلى داخله، ويتخفّى خلف شعاراته، وينتظر لحظة ضعفه ليحوّل الوطن المشترك إلى مشروعٍ خاص، والمساحة المشتركة إلى غنيمة.
وهنا يقع الخطأ الأكبر في قراءة لبنان.
فالذي ينظر إلى محبّي لبنان بمنطق الغلبة، قد يظنّ أنّهم أضعف الحلقات؛ لأنّهم يغفرون، ويفتحون مساحةً للآخر، ويدعون إلى التلاقي، ويتمسّكون بالعدل والرحمة. وقد يظنّ أنّ مَن يرفض الكراهية قد فقد القدرة على المواجهة، وأنّ مَن يمدّ يده للآخر أصبح لقمةً سائغةً في فم الوهم.
لكنّه لا يفهم طبيعة الحبّ.
فالمحبّة ليست ضعفًا، والغفران ليس استسلامًا، وفتح المساحة للآخر ليس تنازلًا عن الوطن، والدعوة إلى التلاقي والشراكة ليست هروبًا من الحقيقة. إنّها وجوهٌ لحبٍّ يريد للبنان أن يبقى وطنًا للجميع، لا غنيمةً لفئة، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا ميدانًا دائمًا للغلبة.
الحب الحقيقي للبنان لا يكون بانتصار الأخ على أخيه اللبناني، بل بالإنتصار على كل ما يهدّد وحدة لبنان وكرامته ومستقبله. ولهذا، فإنّ رحمته ليست عجزًا، وغفرانه ليس نسيانًا، وعدله ليس ضعفًا، وانفتاحه ليس سذاجة.
إنّه يعرف أنّ الوطن الذي يُبنى على الكراهية يحتاج دائمًا إلى عدوٍّ كي يستمرّ، أمّا الوطن الذي يُبنى على المحبّة، فيستطيع أن يختلف أبناؤه من دون أن يتحوّل اختلافهم إلى حرب، وأن يتخاصموا من دون أن يصبح الآخر عدوًّا، وأن يختلفوا في الرؤية من دون أن يختلفوا على حقّ الوطن في الحياة.
وهنا يقع الوهم في خطئه الأكبر: أن يظنّ أنّ المحبّة التي تمنع اللبناني من قتل أخيه ستمنعه أيضًا من الدفاع عن وطنه. ولا يدرك أنّ المحبّة نفسها قد تكون أقوى قوّةٍ في مواجهة أيّ مشروعٍ يريد تفكيك الوطن؛ لأنّها لا تدافع عن لبنان بالكراهية التي يريدها، بل بالحقيقة التي يخشاها.
فلبنان ليس غنيمةً للمنتصر، ولا ملكًا لفئةٍ دون أخرى. لقد كان، في جوهر تجربته، مساحةً للتعدّد والعيش المشترك، ومختبرًا لفكرةٍ صعبةٍ وجميلة: أن يكون الاختلاف سببًا للتعارف، لا ذريعةً للإلغاء؛ وأن يكون التنوع مصدر غنى، لا مبرّرًا للاقتتال.
ومن يقرأ تاريخ لبنان بعين الغلبة وحدها، يخطئ في فهمه. ومن يختزل حاضره في موازين القوّة، يخطئ في قراءة مستقبله.
قد يستطيع العدوُّ الخارجي أن يُضعف طرفًا، أو يُسقط موقعًا، أو يفرض واقعًا مؤقّتًا. وقد يستطيع من يستغلّ هذا الضعف في الداخل أن يتقدّم بمشروعه. لكنّ كليهما يخطئان في الحساب إذا ظنّا أنّ لبنان يُختزل بمن يمسك بالقوّة أو يفرض إرادته في لحظةٍ عابرة.
فلبنان ليس لحظةً عابرة. إنّه فكرةٌ حيّة، وتجربةٌ تاريخيّة، ومساحةٌ مشتركة، وذاكرةٌ لا يستطيع أحدٌ أن يلغيها لمجرّد أنّه امتلك القوّة.
ولذلك، فإنّ الدفاع عن لبنان لا يكون فقط بمنع سقوط حدوده، بل أيضًا بمنع سقوط معناه؛ ولا يكون فقط بحماية أرضه، بل بحماية الفكرة التي تجعل هذه الأرض وطنًا.
نحن لا نريد لبنان الذي ينتصر فيه الأقوى على الأضعف، بل لبنان الذي ينتصر فيه الحقّ على الوهم، والرحمة على الكراهية، والعدل على الغلبة، والحياة على الموت.
نحن نحبّ لبنان، ولذلك لا نريد أن ننتصر على بعضنا، بل أن ينتصر لبنان فينا.
قد يملك الوهم القوّةَ لوقتٍ، وقد يفرض الخوفُ صمتًا، وقد تبدو الغلبةُ انتصارًا في لحظةٍ عابرة. لكنّ ذلك لا يصنع مستقبلًا.
فالمستقبل لا تصنعه القوّة وحدها، بل تصنعه القدرة على تحويل الاختلاف إلى مساحةٍ للعيش، والجرح إلى غفران، والخوف إلى رجاء، والوطن من ساحةٍ للغلبة إلى بيتٍ يتّسع لأبنائه جميعًا.
المحبّة تملك المستقبل؛ لأنّها لا تهدم ما يختلف معها، بل تبني ما يمكن أن يجمعه.
ولبنان الذي نحميه بالمحبّة والعدل والرحمة وفتح المساحة للآخر، أقوى من لبنان الذي يريدون إخضاعه بالوهم.
المحبّة ليست ضعفًا؛ إنّها القوّة التي لا تحتاج إلى إلغاء أحدٍ كي تنتصر.

حكاية صورة

كان إيمانهم كبيرًا

تلك الراية

في تعب عينيك

إليك الورد

يوم الرحيل

daccache2
daccache1
alexandre
abi tayeh
hboubna
support
fiordelli2
fiordelli1
two ways
azar
pr services
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?