لطالما نظرت إيران إلى الدولة اللبنانية بوصفها ساحة متقدمة ضمن مشروعها الإقليمي، وكجزء من طموح سياسي أوسع للجمهورية الإسلامية يتجاوز حدود إيران الطبيعية. وفي قلب هذا المشروع، جاء بناء قدرات «حزب الله»، بعد نجاح الثورة الإسلامية، كقاعدة متقدمة على المتوسط، تؤدي دور الأداة السياسية والعسكرية التي تسمح لطهران بالتأثير في القرار اللبناني، وتعطيل قيام دولة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم، تمهيداً لجعل لبنان جزءاً من «الدولة الخمينية الكبرى» التي يحكمها الولي الفقيه.
وفي خضم هذا الواقع الممتد لعقود، جاء موقف وزير الخارجية يوسف رجي الشجاع في الدفاع عن سيادة الدولة ورفض تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية، ولا سيما ما يتصل بالسفير الإيراني، ليشكّل صدمة هزّت أسس ذلك المشروع وحوّلته إلى مجرد أوهام في لحظة سياسية فارقة. فالمسألة لم تعد مجرد خلاف في المواقف، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى استعداد السلطة اللبنانية للتحول إلى دولة حرة تستعيد قرارها وهيبتها، بدلاً من البقاء أسيرة لسياسة الخوف والتسويف وإدارة الأزمات بدلاً من معالجة أصولها.
غير أن ردود فعل السلطة كشفت مجدداً عن إصابتها بـ«متلازمة الإعداد للفشل». فبدلاً من التقاط اللحظة واتخاذ قرار سيادي واضح وتنفيذه، لجأت من تحت الطاولة إلى حلول ترقيعية وصيغ ملتبسة وتسويات مؤقتة، وكأن المطلوب ليس حل المشكلة، بل تأجيل انفجارها. وهذا السلوك ليس مجرد ارتباك سياسي عابر، بل هو نمط متراكم على مرّ السنوات، حتى أصبح جزءاً من بنية إدارة الدولة.
فقد نجح «حزب الله»، على مرّ عقود، وبدعم إيراني مباشر، في تطويع الحياة السياسية اللبنانية على قاعدة أن الدولة يجب أن تتكيف دائماً مع الأمر الواقع، لا أن تفرض هي منطقها وسيادتها. وبناءً على ذلك، كلما اقتربت الدولة من اتخاذ قرار سيادي حقيقي، بدأت عملية البحث عن المخارج لتفريغه من مضمونه؛ من لجان وتفسيرات جديدة إلى تسويات تحفظ الأمر الواقع تحت شعار «الواقعية السياسية»، وكان من أبرزها قرار حصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية، الذي بقي مجرد حبر على ورق لسنوات.
وهكذا تتحول الدولة تدريجياً من صاحب القرار والسلطة إلى مجرد جهة تدير نتائج غياب القرار.
والمفارقة الكبرى تكمن في أن السلطة قد تظن، بأسلوبها هذا، أنها تمنع الانفجار، بينما هي، في الحقيقة، تُؤسّس لفشل الدولة الممنهج وتُجهض فرص قيامها. فالقرارات غير المكتملة لا تحل الأزمات، بل تُرجئها، والتسويات التي تتجاهل جوهر المشكلة لا تنتج استقراراً، بل تمنح الأزمة وقتاً إضافياً لتصبح أكثر تعقيداً وخطورة.
وبعد الصدمة القوية التي أحدثها موقف وزير الخارجية، والتي هزّت أركان السلطة المهترئة وشقّت طبقة الوحل المتراكمة فوق جسد الوطن، لم يعد ممكناً الاستمرار في تغطية هذا العجز بالتسويات. فهذا «الوحل» لم يتكوّن من فراغ، بل هو نتاج سنوات من الخوف والتردد وتأجيل القرارات، وتفضيل المصالح الخاصة على مصالحة الوطن حتى غدا الفشل نهجاً في الحكم. إلا أن السلطة، وبدلاً من استغلال هذه الفجوة التي أحدثها موقف رجي لاقتلاع المشكلة من جذورها، سارعت إلى ترميم طبقة الوحل عبر حلول ترقيعية جديدة، مُجهضةً أمل السير على الطريق الصحيح.
إن السيادة الحقيقية تبدأ عندما تدرك الدولة أين يكمن قرارها، وتملك الإرادة السياسية لفرضه وتنفيذه. وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي والفاصل: إما أن تكسر السلطة متلازمة الإعداد للفشل، وإما أن تستمر في إعداد لبنان لفصول جديدة من السقوط. فالسلطة المترددة التي تخشى القرار السيادي تحوّل نفسها إلى سلطة تبرر عجزها وتفقد احترام شعبها.
إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى صيغ جديدة لإدارة الفشل، بل إلى إرادة سياسية حازمة تمنع الفشل من أن يبدو قضاءً وقدراً، كي يستعيد الوطن سيادته ويكتب بداية سيرة النهوض والازدهار.






























