المسيرة – بعد أعوام من الانتظار، تعود جريمة انفجار مرفأ بيروت إلى الواجهة مع الأخبار المتداولة حول القرار القضائي الاتهامي. وبينما ينتظر أهالي الضحايا الحقيقة والعدالة، تكشف ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي عن مشهدٍ لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها: فبدلًا من أن يكون السؤال الأوّل: «كيف نصل إلى الحقيقة، وكيف يُحاسَب من تثبت مسؤوليته أمام القضاء كائنًا من كان؟»، اندفع قطاعٌ لا يُستهان به من الشارع إلى الدفاع عن زعمائهم، وكأن المطلوب هو حماية السياسي قبل البحث عن الحقيقة، في خطوةٍ تعكس عمق المأساة الفكرية والأخلاقية التي وصل إليها البلد.
كيف يمكن للبنانيّ أن يتحوّل من مواطنٍ يطالب بالعدالة إلى محامٍ يذود عن زعيمه المتهم؟ كيف تصبح العصبية السياسية أعتى من الحقيقة، وأقوى من دماء الضحايا الأبرياء، وأشد وطأة من وجع الأمهات ودموع الأهالي، وأعظم من حقّ بلدٍ بأكمله في معرفة ما حدث؟
لم تكن المأساة حادثًا عابرًا؛ فقد أسفر انفجار المرفأ عن مقتل أكثر من 220 شخصًا، وإصابة أكثر من 7000 آخرين، وتشريد مئات الآلاف، ناهيك عن أضرار مادية وخسائر اقتصادية قُدّرت بمليارات الدولارات.
ومع ذلك، يبدو أن جانبًا كبيرًا من اللبنانيين ما زال أسير منظومة الولاء والطاعة المطلقة للزعيم؛ يدافع عنه قبل أن يعرف مضمون الملف، ويرفض اتهامه قبل أن يطّلع على الأدلة، ويحوّل أي مساءلة قضائية إلى معركة طائفية أو سياسية. وهكذا يصبح الزعيم، في وعي البعض، فوق الشبهات، وفوق المحاسبة، وفوق الحقيقة نفسها.
كيف ستُبنى الدولة إذا كان المواطن لا يرى في القضاء سوى تهديدٍ لزعيمه؟ وماذا يتبقى من معنى “المواطنة” إذا كانت هوية الضحايا أقل أهمية من هوية الزعيم ؟
إن العدالة تتطلب كفّ يد السياسة عن القضاء ليعمل وفق الأدلة والقانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن نتائج أفعاله، أيًا كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه.
الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في صدور القرار الاتهامي، بل في قدرة اللبنانيين أنفسهم على تجاوز «عبادة الأشخاص» والانحياز الأعمى لهم، والنظر إلى القضية بعين المواطن الحريص على دولته لا بعين التابع للزعيم.
فإذا كان موت أكثر من مئتين وعشرين إنسانًا، ودمار جزء كبير من العاصمة، وخسائر بمليارات الدولارات، أموراً غير كافية لجعل الحقيقة أولويةً تعلو فوق الولاء السياسي، فأي كوارث أكبر نحتاج إليها حتى ندرك أن الدولة يجب أن تكون أقوى من الزعيم، وأن دماء الضحايا يجب أن تكون أقدس وأهمّ من أي رمزٍ سياسي؟
اليوم، لا نحتاج إلى زوبعة جديدة في فنجان، ولا إلى حملات دفاعٍ مستميتة، ولا إلى اصطفافاتٍ طائفية مكررة. نحتاج إلى حقيقةٍ كاملة، وقضاءٍ مستقل، ومحاسبةٍ ناجزة لكل من تثبت مسؤوليته.
فإما أن يكون هذا القرار خطوةً جادة نحو العدالة، وإما أن نكون قد أثبتنا أن المشكلة لم تكن في “جريمة المرفأ” فحسب، بل في عقليةٍ قبلية ما زالت قادرة على تحويل الضحية إلى متهم، والزعيم إلى خطٍّ أحمر.























