“ردّة إجر”… من شعوب لبنان إلى شعب لبنان

المسيرة – من العادات اللبنانية، حين تُزفّ العروس إلى بيت زوجها، لا تنتهي الحكاية عند عتبة البيت الجديد. بعد الزواج تأتي “ردّة الإجر”.
تدعو عائلة العروس أهل العريس إلى بيتها، فيجتمع الطرفان في فرحٍ آخر، وكأن الزيارة الأولى لم تكن إلّا بدايةً لعلاقة جديدة بين عائلتين أصبحتا، بالزواج، عائلةً واحدة.
“ردّة الإجر” ليست عودةً إلى الوراء؛ إنها ردٌّ للزيارة، وردٌّ للفرح، وردٌّ للعلاقة. والأهم أنها تقول إن العلاقة لا تكتمل إذا كانت في اتجاه واحد.
ومن هنا استوقفني هذا التعبير الشعبي وأنا أعود إلى تاريخ جبل عامل، وإلى العام 1920 تحديدًا.
ماذا حدث لجبل عامل عندما تبدّل البيت السياسي الذي عاش في إطاره قرونًا؟ وماذا حدث للبنان عندما اتسعت حدوده السياسية، واجتمعت داخله جماعات ومناطق وذاكرات مختلفة، يحمل كلٌّ منها تصورًا خاصًا عن البيت الذي أصبح شريكًا فيه؟

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

في الأول من أيلول 1920 أُعلن لبنان الكبير، في لحظة اعتبرها البعض تأسيسًا لوطن جديد، بينما أثارت لدى آخرين أسئلة وقلقًا حول طبيعة الكيان الجديد وموقع مناطقهم فيه.
ولا يمكن قراءة تلك المرحلة بعين اليوم وحدها. فالإنسان الذي عاش عام 1920 لم يكن يعرف ما سيصبح عليه لبنان بعد خمسين أو مئة عام. كان يعيش حاضره، بكل خوفه وغموضه، لا التاريخ كما نعرفه الآن.
وعرف جبل عامل في تلك السنوات اضطرابات ومواجهات وسقوط قتلى ونزوح أهالي قرى، وسط انهيار الدولة العثمانية وصعود الانتداب الفرنسي والتحولات التي كانت تعصف بالمشرق كله. ولم تكن المسألة مجرد صراع طائفي بسيط؛ فقد تداخل فيها رفض الانتداب، ومصالح الزعامات المحلية، والمخاوف الاجتماعية، والتنافس السياسي، والتحولات الإقليمية، وكان الإنسان العادي هو الذي يدفع الثمن.
وفي تلك المرحلة، عبّر مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 عن موقف لدى شريحة واسعة من زعماء جبل عامل الرافضين للانتداب الفرنسي والداعين إلى الارتباط بالمشروع السوري الذي كان يقوده الملك فيصل.
لكن التاريخ لا يبقى عند لحظة واحدة.
ومع مرور الزمن أصبح جبل عامل، ضمن الحدود اللبنانية التي استقرت لاحقًا، جزءًا من الحياة اللبنانية السياسية والاجتماعية والثقافية. شارك أبناؤه في مؤسسات الدولة، وفي السياسة والثقافة والاقتصاد، وتعلّموا في مدارس لبنان وجامعاته، وهاجروا منه وعادوا إليه، وأسهموا في بناء هذا الوطن.
لذلك لم يعد السؤال اليوم: هل جبل عامل في لبنان؟
السؤال الأعمق هو: هل يشعر كل لبناني أن جبل عامل جزء من بيته، كما يشعر ابن جبل عامل أن لبنان بيته؟
هنا تعود “ردّة الإجر”.
في الزواج، لا يكفي أن تنتقل العروس إلى بيت زوجها. هناك زيارة ثانية. أهل العروس يفتحون بيتهم لأهل العريس، وأهل العريس يأتون إليهم.
ليست المسألة مجرد مجاملة اجتماعية، بل اعتراف متبادل بأن العلاقة الجديدة لا تلغي البيتين، بل تصنع منهما عائلةً أوسع.
وهكذا هو الوطن.
لا تكفي الخريطة لتجمع الناس في حدود واحدة، ولا يكفي الدستور ليجعلهم وطنًا واحدًا على الورق. الوطن يصبح وطنًا عندما يشعر الإنسان أن وجوده فيه ليس منّةً من أحد، وأن كرامته لا تتوقف على انتمائه الطائفي، وأن ذاكرته ليست موضع اتهام، وأن دولته تحميه قبل أن يضطر إلى الاحتماء بجماعته.
لقد حمل جبل عامل ذاكرةً ثقيلة، كما حمل لبنان كله ذاكرات ثقيلة. وكل جماعة لبنانية تقريبًا تحمل في وجدانها قصة خوف، وقصة خسارة، وقصة تقول: “نحن دفعنا الثمن”.
لكن الوطن لا يستطيع أن يبقى إلى الأبد مجموعة جراح متجاورة.
لا بد أن تتحول الذاكرة من سلاح إلى معرفة، والمظلومية من هوية إلى مسؤولية، والسؤال من:”مَن ظَلَم مَن”؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: “كيف لا نسمح بأن يتكرر الظلم؟”.
ومن هنا تصبح “ردّة الإجر” أكثر من عادة اجتماعية؛ إنها دعوة إلى علاقة متبادلة.
فلا يكفي أن نقول للجنوب: أنت جزء من لبنان؛ بل ينبغي أن يشعر الجنوب أن لبنان جاء إليه أيضًا.
ولا يكفي أن نستدعي منطقة حين نحتاج إلى تضحياتها، ثم نعود فننظر إليها من خارج دائرة القرار والاهتمام.
ولا يكفي أن نقول لكل طائفة: أنت شريكة في الوطن، فيما يبقى الخوف من الطوائف الأخرى أقوى من الثقة بالدولة.
الوحدة ليست أن يأتي المختلف إليّ فقط؛ بل أن أذهب أنا إليه أيضًا.
وهنا أجد المعنى الأعمق لعبارة “ردّة إجر”.
إنها ليست ردّة إلى الماضي، بل عودة إلى بعضنا.
عودة من الذاكرة إلى المصالحة.
من الطائفة إلى الإنسان.
من الخوف إلى الثقة.
ومن الجماعة المغلقة إلى الوطن المفتوح.
ولعل لبنان لم ينجح، في كثير من مراحل تاريخه الحديث، في أن يتحول من جماعات متجاورة داخل جغرافيا واحدة إلى شعب يشعر بأنه يعيش مصيرًا واحدًا، لكل جماعة فيه ذاكرتها ومخاوفها وشهداؤها وحكاياتها عن الخوف والنجاة.
وهنا تكمن المعضلة اللبنانية الكبرى:
أن ننجح في العيش معًا، دون أن ننجح بعد في أن نصير معًا.
لكن “ردّة الإجر” التي يحتاج إليها لبنان ليست بين منطقة ومنطقة، ولا بين طائفة وطائفة فقط.
إنها ردّة إجر من شعوب لبنان إلى شعب لبنان.
لا نلغي الطوائف، ولا المناطق، ولا الذاكرة، ولا التاريخ، بل نضعها في مكانها الصحيح: هويات نحترمها، لا جدرانًا نحتمي خلفها.
فلبنان الرسالة، إن كان للبنان من رسالة، ليس أن يثبت للعالم أن المختلفين يستطيعون أن يتجاوروا.
هذه بداية الرسالة، لا نهايتها.
رسالته الأعمق أن يثبت أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى غنى، وأن التنوع يمكن أن يصير وحدة، وأن الإنسان يستطيع أن يحفظ هويته من دون أن يحوّلها إلى جدار في وجه أخيه.
لبنان الرسالة ليس لبنان الذي يقول للعالم: “انظروا كم نحن مختلفون”، بل لبنان الذي يستطيع أن يقول:”انظروا كيف يمكن لهذا الاختلاف أن يصير إنسانًا واحدًا”.
وهكذا تصبح “ردّة الإجر” صورةً لوطن لم يكتمل زواجه بعد.
لقد دخلنا جميعًا إلى البيت اللبناني الكبير، لكننا لم نتعلم بعد كيف نذهب إلى غرف بعضنا البعض من دون خوف.
وقد تكون “ردّة الإجر” التي يحتاج إليها لبنان اليوم أن يفتح كل بيت بابه للبيت الآخر، لا ليطلب منه أن يتخلى عن ذاته، بل ليقول له:أنت لست ضيفًا في هذا البيت. أنت من هذا البيت، وأنا من بيتك.
لقد انتهى العام 1920 منذ زمن بعيد، لكن بعض أسئلته لم تنتهِ. ولعل السؤال الذي بقي لنا هل استطعنا، بعد أكثر من مئة عام، أن نصير شعبًا واحدًا من دون أن نلغي تنوعنا وذاكراتنا؟ وليس:من انتصر في العام 1920؟
ربما تكون “ردّة إجر” هي الجواب الذي ما زلنا نبحث عنه:
أن نعود إلى بعضنا، لا إلى الماضي بل إلى الإنسان.
ومن شعوب لبنان…إلى شعب لبنان.
ومن لبنان الذي نختلف عليه…
إلى لبنان الذي يتسع لنا جميعًا، ويستحق أن يكون رسالة.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?