كلما اقترب منها أحد، ابتعدت. وكلما احتاج إليها أحد، اختبأت خلف بابٍ مغلق. كانت تعرف أن هناك من ينتظرها، لكنها كانت تخاف أن تفتح الباب.
لم تكن تخاف الناس، بل كانت تخاف مسؤوليتها تجاههم.
كانت تريد أن تكون امرأة من دون أن تحمل وجع امرأة، وأن يكون لها بيت من دون أن تحمي من يسكن فيه، وأن يكون لها اسم من دون أن تتحمّل ما يعنيه هذا الاسم.
كانت تعرف أن عليها أحيانًا أن تقول «لا»، حتى لو أغضبت من هم أقوى منها.
لكنها كانت تخاف.
وكان بعض الذين يقفون خلف الباب لا يملكون مفاتيح بيتها، ومع ذلك كانوا قادرين على جعل فتحه أكثر صعوبة.
وحين كان عليها أن تختار بين أن تكون صاحبة البيت، أو أن ترضي من يرفع صوته عند الباب، كانت تؤجل القرار.
ثم تتراجع.
ومع كل تراجع، كان شيء منها ينسحب من البيت.
حتى جاء يوم طُلب منها أن تتخلى عن واحدٍ ممن وقفوا في الخارج باسمها.
لم يكن قد سرق مفتاح البيت، ولا كسر بابه. لكن بقاءه في مكانه لم يعجب بعض الذين اعتادوا أن يُسمع صوتهم أكثر من أصحاب البيت.
كان عليها أن تقول:
«هذا بيتي، وهذا قراري».
لكنها صمتت.
ثم قالت:
«ليس الآن».
صار الانتظار عادة، وصار الغياب جوابًا.
ومع الوقت، بدأ الذين ينتظرونها يتعبون.
لم تكن تكرههم. كانت فقط تخاف أن تكون لهم.
وفي كل مرة كان أحدهم يسأل:
«أين هي؟»
كان الصمت يجيب.
ربما لأنها لم تكن تعرف أين تكون، أو لأنها كانت تعرف تمامًا أين يجب أن تكون، لكنها لم تجرؤ على الذهاب.
وهكذا بقيت واقفة عند عتبة ذاتها، تخاف أن تدخل إلى حقيقتها، وتخاف أكثر أن تكتشف أنها كانت تستطيع أن تفعل شيئًا… ولم تفعل.
فالخوف لا يمنع الإنسان دائمًا من الخطأ، لكنه قد يمنعه من القيام بما هو صواب.
وربما كان أصعب ما يمكن أن يحدث لامرأة أن تكتشف، بعد فوات الأوان، أنها لم تكن تخاف أن تكون امرأة…
بل كانت تخاف أن تكون مسؤولة.
كان الذين طرقوا بابها لا يريدون المستحيل.
كانوا يريدون فقط أن تفتح. أن تكون حيث يجب أن تكون، وأن تمد يدها حين يحتاجونها، وأن تقول:
«أنا هنا».
لكن الباب ظل مغلقًا.
ومع مرور الوقت، لم يعد الذين في الخارج يطرقون كما كانوا.
تعب بعضهم.
ورحل بعضهم.
وتعلّم بعضهم أن يعيش من دون انتظار.
وحين شعرت المرأة أخيرًا أن عليها أن تفتح الباب، كان الصمت قد سبقها إلى الداخل.
وضعت يدها على المقبض.
وخافت.
لا من الذين في الخارج…
بل من نفسها.
ثم فتحت.
لم تجد أحدًا.
وجدت فقط مفاتيح متروكة قرب الباب، وآثار أقدامٍ ابتعدت، وأبوابًا أُغلقت في الجهة الأخرى.
جلست عند العتبة طويلًا.
وللمرة الأولى، فهمت:
أن بعض الأبواب لا يكفي أن تُفتح متأخرة…
فقد يكون الذين انتظروا طويلًا قد تعلّموا كيف يعيشون من دونها.























