أربع حروب لحزب الله … مِن خطف لبنان إلى خَسارة المحور : متى تستعيد الدولة قرارها ؟!؟!…

بعد ثلاث سنوات على ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، لم يعد ممكناً التعامل مع تجربة «حزب الله» العسكرية باعتبارها سلسلة من المواجهات التي فرضتها الظروف أو أملتها ضرورات الصراع مع إسرائيل …
فالمراجعة الجدية لتاريخ الحزب منذ عام ٢٠٠٥، تاريخ خروج الجيش السوري من لبنان، تكشف حقيقة أكثر خطورة : نحن أمام قرارات حرب اتُّخذت خارج مؤسسات الدولة، وفرضت على لبنان واللبنانيين أثماناً باهظة، فيما كانت النتائج، مرة بعد أخرى، تناقض الشعارات التي رُفعت لتبريرها …
أربع محطات تختصر هذه التجربة، وتكشف الفارق بين من يدّعي حماية لبنان ومن يضع لبنان في خدمة مشروع إقليمي، وبين من يتحدث عن المقاومة ومن يستخدم السلاح لفرض الهيمنة في الداخل والخارج …
أولاً : حرب تموز ٢٠٠٦ … قرار الحرب من دون حساب الكلفة على لبنان
في تموز ٢٠٠٦، أقدم «حزب الله» على خطف جنديين إسرائيليين، فاندلعت حرب مدمِّرة دفع لبنان ثمنها بشراً وحجراً واقتصاداً وبنية تحتية …، ولم يكن اللبنانيون قد قرروا الحرب، ولم تكن الدولة قد فوّضت الحزب اتخاذ قرار بهذا الحجم، ومع ذلك وجد اللبنانيون أنفسهم في قلب مواجهة لم يختاروا توقيتها ولا امتلكوا قرار إنهائها …
وبعد انتهاء الحرب، أقرّ حسن نصرالله، في موقف شهير، بأنه “لو كان يعلم” مسبقاً حجم الرد الإسرائيلي، لما أقدم على عملية الخطف …، وهذه العبارة، بصرف النظر عن كل التبريرات التي أُعطيت لاحقاً، تختصر جوهر المشكلة :
قرار استراتيجي بالحرب اتُّخذ من دون تقدير حقيقي لعواقبه على البلد الذي يُفترض أن الحزب يقاتل دفاعاً عنه …
فما قيمة الشعارات الكبرى إذا كان صاحب القرار نفسه يعترف بأنه لم يكن يتوقع حجم الكارثة ؟!؟!… وما معنى الحديث عن الانتصار إذا كان البلد بأكمله هو الذي دفع ثمن المغامرة ؟!؟!…
منذ تلك اللحظة، كان ينبغي أن يُطرح السؤال الذي لا يزال قائماً حتى اليوم :
من أعطى الحزب الحق في أن يقرر وحده متى يحارب، ومتى يهدّئ الجبهة، ومتى يضع اللبنانيين أمام الأمر الواقع ؟!؟!…
ثانياً : ٧ أيار ٢٠٠٨ … حين وُجّه السلاح إلى صدور اللبنانيين
إذا كانت حرب تموز قد كشفت استعداد الحزب لجرّ لبنان إلى مواجهة خارجية من دون قرار الدولة، فإن أحداث ٧ أيّـار ٢٠٠٨، كشفت حقيقة أخرى لا تقل خطورة :
هذا السلاح الذي قيل إنه وُجد لمواجهة إسرائيل، لم يتردد صاحبه في استخدامه داخل لبنان عندما شعر أن نفوذه مهدد …
في تلك الأيام، خرج السلاح من جبهة المواجهة مع إسرائيل إلى الشوارع والأحياء اللبنانية، وواجه اللبنانيين أنفسهم …، ولم يكن الأمر مجرد حادث أمني عابر أو اشتباك قابل للنسيان، بل كان رسالة سياسية وعسكرية واضحة مفادها أن الحزب مستعد لاستخدام القوة لفرض إرادته على الدولة وشعبها …
والأخطر أن حسن نصرالله وصف ما جرى بأنه «يوم مجيد»، في خطاب عبّر عن تمسك الحزب بخياراته المسلحة في الداخل …، وهنا سقطت واحدة من أبرز الذرائع التي استُخدمت لتبرير احتفاظه بسلاحه : فإذا كان هذا السلاح موجهاً حصراً إلى إسرائيل، فلماذا استُخدم ضد اللبنانيين؟ وإذا كانت وظيفته حماية الوطن، فكيف يصبح أداة لفرض شروط فريق على بقية اللبنانيين ؟!؟!…
لقد أظهرت أحداث ٧ أيار أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود ترسانة عسكرية خارج سلطة الدولة، بل بوجود مشروع سياسي يريد أن يجعل الدولة نفسها عاجزة أمام إرادة السلاح …
ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد مقبولاً التعامل مع سلاح الحزب باعتباره تفصيلاً دفاعياً أو قضية تقنية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى …، فالسلاح الذي يستطيع أن يفرض إرادته على الداخل، يستطيع أيضاً أن يجرّ البلد إلى الخارج، من دون أن يسأل أحداً عن رأيه …
ثالثاً : حرب سوريا منذ عام ٢٠١١ … وسقوط قناع المقاومة العابرة للحدود
ثم جاءت الحرب السورية لتكشف مرحلة أكثر خطورة في مسار الحزب …، ففي عام ٢٠١١، ومع تطور الانتفاضة السورية إلى صراع مسلح، انخرط «حزب الله» تدريجياً في القتال دفاعاً عن نظام بشار الأسد، قبل أن يصبح تدخله العسكري واسعاً ومعلناً …
لم يعد الحزب عندها يبرر وجوده المسلح بمواجهة إسرائيل وحدها، بل بات يقاتل داخل دولة عربية أخرى، دفاعاً عن نظام حليف لطهران، في مواجهة قطاعات واسعة من الشعب السوري الثائر لحريته …
وهنا برز السؤال الذي حاول الحزب طويلاً التهرب منه :
كيف يمكن لقوة تقول إنها حركة مقاومة وطنية أن تتحول إلى قوة عسكرية إقليمية تتحرك بين الدول، وتخوض الحروب وفق مقتضيات مشروع فئوي، يتجاوز حدود لبنان ؟!؟!…
لقد سقطت عملياً الحدود الفاصلة بين ما هو لبناني وما هو إيراني في قرار الحزب العسكري …، وسقط معها الادعاء بأن سلاحه محصور في الدفاع عن لبنان …، فالحزب الذي شارك في معارك سوريا، ودفع آلاف المقاتلين إلى ساحاتها على امتداد سنوات الحرب، أثبت أنه مستعد للقتال خارج الحدود اللبنانية متى اقتضت مصالح المحور الذي ينتمي إليه ذلك …
والنتيجة لم تكن مجرد خسائر بشرية ومادية، فقد تعمّق الانقسام اللبناني، وازدادت عزلة الحزب في محيط عربي واسع، وتحولت مشاركته السورية إلى أحد العوامل التي رسخت صورته بوصفه قوة إقليمية مسلحة، لا مجرد حركة مقاومة لبنانية …
أما المفارقة الكبرى، فهي أن سوريا التي ذهب الحزب للدفاع عن نظامها تحولت، مع تغير موازين القوى وسقوط نظام الأسد في كانون الأول ٢٠٢٤، إلى أحد أبرز وجوه الانقلاب الاستراتيجي على المشروع الذي راهن عليه المحور الإيراني سنوات طويلة …
لم تكن تلك نهاية النظام السوري فحسب، بل كانت ضربة عميقة لأحد أهم خطوط الإمداد والنفوذ التي اعتمد عليها الحزب، وكشفت مدى خطورة بناء استراتيجية لبنان على مصير أنظمة خارج حدوده …
رابعاً : ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ … الجبهة التي فتحت أبواب الإنهيار
أما المحطة الرابعة، والأكثر تأثيراً في مستقبل لبنان والمنطقة، فهي قرار «حزب الله» فتح جبهة الجنوب في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، تحت عنوان إسناد غزة، بعد يوم واحد من هجوم «طوفان الأقصى» الذي قادته حماس بقيادة يحيى السنوار …
هنا تحديداً، اتُّخذ القرار الذي أدخل الحزب ولبنان في مسار مواجهة واسعة …، لم تكن الدولة اللبنانية صاحبة قرارها، ولم يكن اللبنانيون قد فوّضوا الحزب خوضها نيابة عنهم …
وبصرف النظر عن الجدل المتعلق بمستوى التنسيق المسبق بين حماس والحزب، فإن المسؤولية عن فتح الجبهة اللبنانية تقع على الجهة التي اتخذت قرار المشاركة فيها …، فقرار حماس شن هجوم من غزة لا يعني تلقائياً أن لبنان ملزم بفتح جبهة ثانية، ولا يمنح أي طرف حق تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة حرب إضافية …
كان في وسع الحزب أن يختار عدم الانخراط عسكرياً، وأن يترك للدولة اللبنانية قرارها السيادي، وأن يتجنب إدخال الجنوب والقرى الحدودية وأهلها في مواجهة جديدة …، لكنه اختار العكس، ففتح جبهة استنزاف انتهت إلى دمار واسع وتهجير وخسائر بشرية جسيمة، وإلى ضربات قاسية طالت بنيته العسكرية وقياداته …
ولولا قرار فتح الجبهة اللبنانية، لما واجه الحزب بالضرورة المسار العسكري نفسه الذي انتهى إليه …، ولا يمكن الجزم بأن جميع التطورات الإقليمية اللاحقة كانت ستقع أو لن تقع في غياب هذه الحرب، لكن المؤكد أن قرار ٨ تشرين الأول غيّر قواعد الاشتباك، وفتح الباب أمام تصعيد إقليمي كانت كلفته على الحزب ولبنان هائلة …
فقد قُتل حسن نصرالله في غارة إسرائيلية في أيلول ٢٠٢٤، وتعرضت قيادة الحزب وبنيته العسكرية لضربات شديدة، وتراجعت قدرته على فرض معادلات الردع التي عمل على ترسيخها لسنوات …، وفي الوقت نفسه، فقد المحور الإيراني أحد أهم خطوط نفوذه الإقليمي، ثم جاء سقوط نظام الأسد ليعمّق الخسارة الاستراتيجية …
وفي مسار موازٍ، انتقلت المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى مرحلة من الصدام المباشر، مع ضربات طالت العمق الإيراني والمنشآت والقدرات الاستراتيجية، بما فيها البرنامج النووي، في تطورات لا يجوز اختزال أسبابها في جبهة لبنان وحدها، لكنها تعكس اتساع المواجهة بين إسرائيل والمحور الإيراني …
وهكذا، فإن قراراً اتُّخذ تحت عنوان إسناد غزة فتح الباب أمام نتائج تجاوزت غزة ولبنان، وأعادت رسم موازين القوى في المنطقة، وأظهرت أن الحرب التي يقررها طرف مسلح خارج الدولة لا يمكن ضمان بقائها ضمن الحدود التي يعلنها أصحابها …
والسؤال هنا ليس ما إذا كانت غزة تستحق التضامن، فالتضامن مع المدنيين وحقهم في الحياة والحرية والكرامة أمر لا يحتاج إلى مزايدة من أحد …، السؤال هو : هل يكون التضامن بإدخال بلد آخر في حرب مدمرة من دون قرار وطني جامع، أم بتعزيز قدرة الدولة على حماية شعبها ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ؟!؟!…
من تموز ٢٠٠٦ إلى تشرين الأول ٢٠٢٣ … من دفع الثمن ؟!؟!…
عندما نضع الحروب الأربع جنباً إلى جنب، تتضح الصورة أكثر من أي وقت مضى …
في عام ٢٠٠٦، اتخذ الحزب قراراً عسكرياً فجّر حرباً مدمرة، ثم أقرّ أمينه العام بأنه لم يكن يتوقع حجم الرد الإسرائيلي …
وفي أيار ٢٠٠٨، استخدم الحزب سلاحه في الداخل لفرض معادلات سياسية بالقوة …
وفي سوريا عام ٢٠١١، خاض حرباً خارج الحدود اللبنانية دفاعاً عن نظام حليف لإيران، مقدماً آلاف القتلى والجرحى ومفاقماً الانقسام والعزلة …
وفي ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، فتح جبهة جديدة تحت عنوان إسناد غزة، فانتهى إلى خسائر عسكرية وقيادية واستراتيجية جسيمة، ودفع الجنوب ولبنان مرة أخرى أثمان قرار لم تتخذه مؤسساته الدستورية …
في كل محطة، كان الخطاب يتحدث عن النصر والردع وحماية الوطن …، أما الوقائع، فكانت تقول إن لبنان يُستنزف، وإن المواطنين يُهجّرون، وإن الدولة تتراجع، وإن القرار الوطني يُختطف لمصلحة مشروع يتجاوز حدودها …
وهنا لا بد من التمييز بين جمهور بيئة الحزب، الذي لا يجوز تحميله جماعياً مسؤولية قرارات قيادته، وبين القيادة التي احتكرت قرار الحرب والسلم، وفرضت على بيئتها كما على سائر اللبنانيين نتائج خياراتها …
فالمشكلة ليست في أن للحزب جمهوراً أو تمثيلاً سياسياً أو مخاوف أمنية مشروعة لدى أبناء المناطق التي يتواجد فيها …، المشكلة تكمن في أن هذه المخاوف تحولت إلى ذريعة دائمة للاحتفاظ بسلاح مستقل، ثم استخدامه في حروب لا يملك اللبنانيون قرارها ولا يسيطرون على نتائجها …
ولذلك، فإن المحاسبة السياسية لا تعني الانتقام من بيئة الحزب، بل تحريرها، كما تحرير بقية اللبنانيين، من معادلة تجعل مصير الناس رهينة قرار عسكري لا يخضع للمساءلة الوطنية …
ماذا بعد ثلاث سنوات ؟!؟!… الحزب يتشبث بسلاحه والدولة تتردد
اليوم، لا يكفي أن نحصي الخسائر أو أن نستعيد محطات الماضي …، فالمسألة الأساسية هي ما الذي سيفعله لبنان لمنع تكرار التجربة …
فالحزب يواجه واقعاً استراتيجياً مختلفاً عما كان عليه قبل ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ …، لقد تعرضت بنيته العسكرية لضربات كبيرة، وتراجعت قدرته على فرض قواعد اشتباك سابقة، كما خسر نظام الأسد الذي شكّل حلقة محورية في امتداد نفوذه الإقليمي …
لكن هذه التحولات، على أهميتها، لا تعني تلقائياً انتهاء قدرته العسكرية أو زوال مشروعه السياسي، ولا تعفي الدولة من مسؤوليتها في استعادة قرارها …
وفي المقابل، لا تزال الدولة اللبنانية تواجه اختباراً حاسماً :
هل ستستعيد سيادتها عبر المؤسسات والقرارات الدستورية، أم ستبقى تنتظر جولة عسكرية جديدة كي تفعل ما كان ينبغي أن تفعله منذ سنوات ؟!؟!…
إن انتظار حرب جديدة بين إسرائيل و«حزب الله» كي تتحرك الدولة هو رهان خطير …، فالحرب لا تمنح الدولة بالضرورة فرصة أفضل لاستعادة سلطتها، بل قد تدمّر ما تبقى من مقوماتها، وتضاعف نزوح المواطنين، وتوسع دائرة المواجهة، وتضع لبنان أمام أثمان إضافية لا قدرة له على تحملها …
كما أن حصر المسألة في ما إذا كانت إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية أو ستربط انسحابها بإنهاء القدرات العسكرية للحزب، لا يجوز أن يجعل القرار اللبناني رهينة الحسابات الإسرائيلية …، فسيادة لبنان ليست منحة من إسرائيل، وحصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلباً خارجياً فحسب، بل ضرورة لبنانية ودستورية، يجب أن تُنفّذ انطلاقاً من مصلحة لبنان وشعبه …
الدولة مطالبة بأن تكون صاحبة المبادرة، لا أن تنتظر الآخرين ليحددوا لها توقيت استعادة سلطتها …
المطلوب اليوم : إعلان واضح بأن قرار الحرب ليس قرار لبنان
إذا كانت الدولة غير قادرة، في هذه المرحلة، على حسم ملف السلاح بالقوة أو عبر تسوية سياسية فورية، فهذا لا يعني أنها عاجزة عن حسم مسألة المسؤولية السياسية والوطنية …
من حق الدولة، بل من واجبها، أن توضح أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي أن قرار الحرب والسلم يعود حصراً إلى مؤسساتها الدستورية، وأن أي عمل عسكري ينفذه حزب أو تنظيم خارج سلطتها لا يمثل قرار الجمهورية اللبنانية ولا يجوز نسبته تلقائياً إلى جميع اللبنانيين …
لكن هذا الموقف يجب ألا يبقى بياناً إعلامياً أو محاولة للتنصل من المسؤولية …، المطلوب أن يقترن بخطة عملية واضحة : تثبيت سلطة الجيش والقوى الأمنية، تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بحصرية السلاح، حماية الحدود والمناطق السكنية، منع استخدام الأراضي اللبنانية لشن هجمات خارج قرار الدولة، ومواصلة الجهود الدبلوماسية لتجنيب لبنان الحرب …
كما يجب على الدولة أن تؤكد استعدادها للانخراط في مسار سياسي ودبلوماسي يضمن سيادة لبنان وأمنه، وأن أي تفاوض أو ترتيبات مع إسرائيل يجب أن يجريا وفق الأصول الدستورية، وبقرار لبناني مستقل، لا تحت ضغط سلاح الحزب ولا تحت إملاء أي طرف خارجي …
وإذا كانت الدولة تريد أن تقنع العالم بأنها قادرة على حماية لبنان، فعليها أن تثبت ذلك بالأفعال، لا أن تكتفي بالقول إنها غير معنية بحرب لا تملك قرارها، فيما يبقى البلد كله عرضة لنتائجها …
إن المجتمع الدولي يستطيع مساعدة لبنان في إعادة الإعمار ودعم الجيش والمؤسسات، لكنه لا يستطيع أن يحل مكان الدولة في اتخاذ القرار السيادي …، والمساعدات لا يمكن أن تكون بديلاً عن سلطة فعلية على الأرض، كما أن الدعم الدبلوماسي لا يكفي إذا بقيت هناك قوة مسلحة تستطيع إشعال الحرب بمعزل عن الحكومة …
لا يجوز أن يبقى لبنان كله رهينة مناطق خارج سلطة الدولة
ثمة حقيقة ينبغي قولها بوضوح : لا يمكن للدولة أن تتعامل مع لبنان وكأنه مقسوم قانونياً إلى مناطق تتحمل فيها مسؤوليتها ومناطق تتنازل فيها عن سلطتها لمصلحة تنظيم مسلح …
فالدولة مسؤولة عن جميع الأراضي اللبنانية، وجميع المواطنين متساوون أمام القانون، ولا يجوز تحويل أي منطقة إلى مساحة مستقلة عسكرياً أو أمنياً عن مؤسسات الجمهورية …
وفي المقابل، يجب أن تكون المسؤولية السياسية والقانونية عن أي قرار عسكري غير شرعي محددة وواضحة …، فلا يجوز تحميل الشعب اللبناني بأسره مسؤولية قرار لم تتخذه الدولة، كما لا يجوز إعفاء الجهة التي تتخذ القرار خارج مؤسساتها من تبعاته …
المعادلة الصحيحة ليست أن تتخلى الدولة عن مناطق يسيطر عليها الحزب، بل أن تستعيد سلطتها عليها …، وليس المطلوب أن تقول الدولة إن تلك المناطق لا تعنيها، بل أن تؤكد أن أهلها مواطنون لبنانيون يستحقون الحماية نفسها التي يستحقها جميع اللبنانيين، وأن أمنهم لا يمكن أن يبقى رهينة سلاح لا يخضع لقرارها …
إن أي طرح يقود إلى تكريس تقسيم فعلي للبلاد بين مناطق الدولة ومناطق الحزب لن يكون حلاً، بل اعترافاً بفشل الدولة في أداء واجباتها …، والمطلوب هو تثبيت المسؤولية على الجهة التي تتخذ القرار خارج المؤسسات، مع الإصرار في الوقت نفسه على أن السيادة لا تتجزأ، وأن سلطة الدولة يجب أن تشمل كل شبر من الأراضي اللبنانية …
في الخلاصة : الدولة أولاً، ولبنان ليس ساحة لأحد
بعد كل هذه التجارب، لم يعد مقبولاً أن يستمر لبنان في الدوران داخل الحلقة نفسها : حزب يقرر الحرب، وبلد يدفع الثمن، ودولة تنتظر نهاية المواجهة لتعيد التذكير بسيادتها، ثم تعود إلى التردد حتى تأتي الأزمة التالية …
لقد أثبتت الحروب الأربع أن امتلاك السلاح خارج سلطة الدولة لا يضمن للبنان الأمن والاستقرار، وأن تحويله إلى منصة لمشاريع إقليمية لا يحميه من الحروب، بل يجعله أكثر عرضة لها …، كما أثبتت أن الشعارات مهما ارتفعت لا تستطيع إخفاء حقيقة النتائج، وأن من يدّعي حماية الوطن لا يمكنه أن يحتكر قرار مصيره ويعفي نفسه من المساءلة …
ليس المطلوب اليوم فتح سجال جديد حول الماضي، بل استخلاص الدرس الذي تأخر لبنان في استخلاصه :
لا مقاومة فوق الدولة، ولا قرار حرب خارج المؤسسات، ولا مواطنة منقوصة في منطقة أو أخرى، ولا يجوز أن يبقى مستقبل ملايين اللبنانيين رهينة حسابات محور إقليمي أو قيادة حزبية …
أما الدولة، فعليها أن تتوقف عن انتظار الحرب المقبلة لتتحرك …، عليها أن تبادر الآن إلى تنفيذ قراراتها، وتثبيت سلطتها، واستعادة قرارها السيادي، والعمل على حماية اللبنانيين من مغامرة جديدة قد تكون كلفتها أكبر مما يستطيع البلد احتماله …
لبنان ليس محافظة إيرانية، وليس قاعدة عسكرية لأحد، وليس صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية …، لبنان دولة ذات سيادة، وشعبه وحده يملك الحق في تقرير مصيره من خلال مؤسساته الدستورية …
والسؤال الذي يجب أن يواجهه الجميع اليوم ليس ماذا سيقرر «حزب الله» في الحرب المقبلة، بل ماذا ستقرر الدولة اللبنانية قبل أن تقع تلك الحرب …
فإما أن تستعيد الدولة قرار الحرب والسلم الآن، وإما أن يبقى اللبنانيون يدفعون، مرة بعد أخرى، ثمن قرارات لم يتخذوها، وحروب لم يختاروها، ومشروع لم يمنحوا أحداً تفويضاً بربط مصير وطنهم به …

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?