المسيرة – من مساء الخميس 21 نيسان 1994، الساعة الثامنة مساءً، حتى صباح الثلاثاء 26 تموز 2005. إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام.
هل يمكن لرقم أن يختصر إحدى عشرة سنة من حياة إنسان؟
إنها أيام لا تعود، ووجوه غابت، وأبواب أُغلقت، وأحلام تأجّلت، وحياة كان يمكن أن تُعاش في مكان آخر.
لكن بعض الأرقام لا تُقرأ بما تعدّه، بل بما تكشفه.
كان يستطيع أن يغادر لبنان، وأن يختار مكانًا آخر وحياة أخرى، ويترك وراءه السجن والتهديد والخوف. كان يستطيع، ببساطة، أن ينقذ نفسه.
لكنه اختار أن يبقى.
وحين أصبح السجن ثمنًا لموقفه، دفع الثمن.
ليس كل من بقي بطلًا، وليس كل من رحل جبانًا. فالحياة أكثر تعقيدًا من الأحكام الجاهزة.
لكن ثمة فرقًا بين من يُجبر على البقاء، ومن يستطيع الرحيل ثم يختار البقاء، وهو يعرف أن لهذا الاختيار ثمنًا.
هنا يتجاوز الأمر السياسة، ليصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه.
فالإنسان لا يملك دائمًا أن يختار ما يحدث له، لكنه يملك، إلى حدّ بعيد، أن يختار موقفه مما يحدث له.
ولهذا تصبح السنوات التي قضاها في السجن أكثر من زمن مضى. تصبح سؤالًا:
ماذا يفعل الإنسان بالزمن حين لا يملك حريته؟
وهل يمكن أن تكون بعض السنوات التي نخسرها من أعمارنا هي نفسها السنوات التي تمنح حياتنا معناها؟
إحدى عشرة سنة.
قد يراها البعض خسارة أحد عشر عامًا من العمر. لكن السنوات لا تُقاس فقط بما نعيشه فيها، بل بما يبقى منها بعد أن تنتهي.
هناك من يعيش عمرًا طويلًا ولا يترك وراءه إلا رقمًا، وهناك من تُختصر سنواته في رقم، لكنه يحمل قصة موقف.
لذلك، لا أقرأ «إحدى عشرة» كرقم، بل كاختيار.
اختيار رجل كان يستطيع أن يرحل، فاختار أن يبقى، وهو يعرف أن للبقاء ثمنًا.
فالحرية قيمة، والحياة قيمة، والوطن قيمة.
وتظهر قيمة الموقف أحيانًا حين يتعارض الحفاظ على الذات مع الوفاء لما يؤمن به الإنسان.
عندها لا يعود السؤال: كم سنة أمضى في السجن؟
بل:
ماذا كان مستعدًّا أن يخسر، كي لا يخسر نفسه؟























