كلام برسم الذي ما زال يكابر … فيما الجميع سلّموا بسقوط الوهم !!!…

أنا لا أتكلم لمجرد الكلام، ولا أكتب لمجرد الكتابة … وحين أقول إن مشهداً جديداً يتشكّل داخل البيئة الشيعية، فأنا لا أستند إلى شائعات أو إلى تمنّيات سياسية، بل إلى ما أسمعه مباشرة، وما ألمسه في لقاءاتي وعلاقاتي الشخصية والمهنية، وما يقوله أشخاص كانوا، حتى الأمس القريب، من أشدّ المدافعين عن حزب الله وسلاحه ومشروعه …
وما أريد قوله اليوم يتجاوز مجرّد تبدّل في المواقف …، نحن أمام صدمة عميقة، وأمام مراجعة قاسية تجري بصمت، بعيداً عن المنابر والخطابات والشعارات، في الصالونات والغرف المقفلة، حيث يتكلّم الناس بلا ميكروفونات، ولا تصفيق، ولا حاجة إلى مسايرة أحد …، فهناك، تحديداً، بدأت الحقيقة تفرض نفسها.
أنا أعرف عدداً كبيراً من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة، من أصدقاء وزبائن ومعارف …، أعرف كيف كانوا يفكّرون، وكيف كانوا يدافعون عن حزب الله في زمن قوّته، حين كانت طهران تمسك بخيوط اللعبة الإقليمية، وحين كان مجرّد التشكيك بجدوى السلاح يُواجَه باتهامات التخوين والتآمر والتخلّي عن المقاومة …
كانوا مقتنعين بأن حزب الله ضمانة لكرامة الطائفة، وأن سلاحه يحمي لبنان، وأنه يشكّل الردع الذي يمنع إسرائيل من الاعتداء، وأن المشروع الذي يقوده سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى انتصار يرفع رأس بيئته ويعزّز موقعها في الدولة والمنطقة …
ربما كانوا يدافعون عن هذه القناعات بصدق …، لكن الصدق في الإيمان بفكرة لا يجعلها صحيحة، والإخلاص في الدفاع عن مشروع لا يمنع أن يكون ذلك المشروع قائماً على حسابات خاطئة وأوهام مكلفة …
وهنا تكمن المأساة :
أن يكون الإنسان صادقاً في قناعته، ثم يكتشف أن الحقيقة التي دافع عنها سنوات كانت مختلفة تماماً عن الصورة التي رُسمت له …
في الغرف المقفلة، كلام آخر تماماً !!!…
ما أسمعه اليوم من أشخاص كنت أعرف مدى تمسّكهم بخطاب حزب الله ليس تفصيلاً عابراً …، هناك صدمة وخيبة وذهول، وهناك أسئلة مؤلمة، وهناك مراجعة لم تكن ممكنة في السابق، أو ربما لم يكن أصحابها يجرؤون على التعبير عنها …
البعض لا يزال متردداً، والبعض يحاول إيجاد تفسيرات تخفّف وطأة الصدمة، والبعض الآخر بات يتحدث بمرارة شديدة عن خيارات الحزب، وعن الأثمان التي دفعها الجنوب، وعن البيوت التي دُمّرت، والعائلات التي تشرّدت، والشباب الذين قُتلوا، فيما بقيت الوعود الكبرى معلّقة بين خطاب الانتصار وواقع الخسارة …
ثمة من لا يزال يتعاطف مع الحزب من باب الشفقة، ويرى أن عناصره دفعوا حياتهم ثمناً لحسابات لم يقرّروها هم، وأن كثيرين قاتلوا بصدق، لكنهم وجدوا أنفسهم في حرب تجاوزت حدود لبنان ومصالح اللبنانيين …
وثمة من ذهب أبعد من ذلك، وبات يعتبر أن الحزب لم يكن مجرّد ضحية لحسابات إيرانية خاطئة، بل شريكاً في خيارات دفع اللبنانيون، والجنوبيون خصوصاً، أثمانها الباهظة …
قد تختلف التفسيرات، وقد تتفاوت درجات الغضب والخيبة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع هو نفسه :
ماذا حقّق هذا السلاح للبنان؟
وماذا حمى من البيوت التي سقطت؟
وماذا أبقى من القرى التي دُمّرت؟
وأيّ انتصار يمكن أن يُقاس بحجم الخسائر التي تكبّدها الناس، فيما القرار بالحرب والسلم بقي خارج مؤسسات الدولة ؟!؟!…
هذه ليست أسئلة خصوم حزب الله وحدهم …، هذه أسئلة أسمعها، بصيغ مختلفة، من أشخاص كانوا يعتبرون طرحها في الماضي اعتداءً على مقدّسات لا يجوز الاقتراب منها …، الجميع فهموا النكبة … إلا من يصرّ على المكابرة !!!…
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر إيلاماً …، إذ يبدو لي، من خلال ما أسمعه وألمسه في محيطي، أن كثيرين ممّن كانوا يدافعون عن الحزب باتوا يدركون، في قرارة أنفسهم، أن التجربة العسكرية وصلت إلى طريق مسدود، وأن استمرار السلاح خارج الدولة لم يعد ضمانةً لهم، بل أصبح عبئاً وجودياً على بيئتهم وعلى لبنان …
قد لا يقول الجميع ذلك علناً …، وقد يستمر بعضهم في استخدام اللغة القديمة أمام الناس، أو في الدفاع عن مواقف لم يعد مقتنعاً بها كما كان …، لكن بين ما يُقال في العلن وما يُتداول في المجالس الخاصة، مسافة تستحق التوقف عندها …
وفي خضمّ هذه الصورة، أرى مفارقة تستحق أن تُقال بصراحة : ربما أنا الذي ما زلت أكابر، لا لأنني لا أفهم ما يجري، بل لأنني أخشى الاعتراف بحجم النكبة، أو لأن كبريائي يمنعني من الإقرار بأن مشروعاً دافعت عنه سنوات طويلة وصل إلى هذه النتيجة …
ربما أكابر خوفاً من مواجهة الحقيقة …، وربما أكابر لأن الاعتراف بالخطأ أصعب من تحمّل نتائجه …، وربما لأنني أخشى أن أقول أمام عائلتي وبيئتي وأصدقائي إنني كنت مخطئاً، وإن التضحيات التي آمنت بأنها ستقود إلى النصر انتهت إلى واقع مختلف تماماً …
لكن إلى متى يمكن للإنسان أن يكابر أمام بيت مهدّم ؟!؟!…
وإلى متى يمكنه أن يواجه عائلة فقدت أبناءها بخطاب لا يعيد ميتاً، ولا يعمّر منزلاً، ولا يضمن عودة مهجّر إلى قريته ؟!؟!…
وإلى متى يستطيع أن يقنع نفسه بأن السلاح يحميه، فيما الخوف والدمار والنزوح تحوّلت إلى جزء من حياته ؟!؟!…
إذا كان الجميع، في لحظات الصراحة بعيداً عن الأضواء، قد بدأوا يفهمون أن المعادلة القديمة لم تعد قابلة للحياة، فما الذي يبقى من المكابرة سوى الهروب من الحقيقة ؟!؟!…
المشكلة لم تعد في النوايا … بل في النتائج !!!…
قد يكون كثيرون قد آمنوا فعلاً بأن حزب الله يحميهم …، وقد يكون مقاتلون كثيرون قد ذهبوا إلى الحرب مقتنعين بأنهم يدافعون عن أرضهم وكرامتهم …، وليس من العدل أن نختزل كل إنسان في قرار القيادة، أو أن ننكر على العائلات حقها في الحزن على أبنائها …
لكن احترام التضحيات لا يعني تقديس القرارات التي أدّت إليها …، والترحّم على القتلى لا يفرض علينا تبرير الحرب …، والتعاطف مع الضحايا لا يلزمنا بتكرار الأسباب التي جعلت منهم ضحايا …، فالمعيار ليس صدق النوايا وحده، بل حصيلة الخيارات أيضاً …
وهنا لا بدّ من طرح السؤال الذي طالما جرى الهروب منه :
إذا كان السلاح قد عجز عن حماية البيئة التي قيل إنه وُجد لحمايتها، وإذا كانت قرارات الحرب قد عرّضت الجنوب ولبنان لمزيد من الخراب، وإذا كانت النتائج لم تتناسب مع الوعود التي رافقت هذا المشروع، فلماذا الإصرار على إبقاء المعادلة نفسها ؟!؟!…
هل المطلوب أن يبقى اللبنانيون رهائن قرار عسكري لا يملكون السيطرة عليه؟
وهل يُعقل أن يبقى مصير قرانا وأرزاقنا وأبنائنا مرتبطاً بحسابات إقليمية تتبدّل وفق مصالح الدول، بينما لبنان هو الذي يدفع الفاتورة ؟!؟!…
إن الاعتراف بهذه الأسئلة ليس خيانة، بل بداية استعادة العقل السياسي …، والقول إن زمن السلاح الخارج عن الدولة يجب أن ينتهي ليس استهدافاً لطائفة، بل دفاعاً عن حق كل الطوائف في العيش داخل دولة واحدة، بقرار واحد، وجيش واحد، ومؤسسات لا ينازعها أحد على السيادة …
انتهت صلاحية الوهم، فهل نملك شجاعة الاعتراف ؟!؟!…
لا أكتب هذه الكلمات شماتةً بأحد، ولا رغبةً في استثمار وجع الجنوبيين أو جراح اللبنانيين، أكتبها لأن الكارثة لا تصبح أقلّ كارثية عندما نرفض تسميتها، ولأن إنكار الخسارة لا يحوّلها إلى انتصار …
من حق كل أمّ أن تحزن على ابنها، ومن حق كل عائلة أن تبكي بيتها، ومن حق كل إنسان أن يتمسّك بكرامته وانتمائه …، لكن ليس من حق أي قيادة أن تطلب من الناس دفع الأثمان نفسها مرة بعد مرة، ثم تمنعهم من السؤال عن الجدوى والنتائج والمصير …
إن كان هناك من لا يزال يؤمن بأن السلاح هو الضمانة، فليقدّم جواباً واضحاً عن الضمانة التي وفّرها في هذه الحرب، وعن الثمن الذي دفعه لبنان لقاءها، وعن المستقبل الذي يعد به الناس بعد كل ما حصل وسيحصل …
وإن كان هناك من أدرك في قرارة نفسه أن المرحلة السابقة انتهت، فليملك شجاعة قول ذلك علناً، بدلاً من الاستمرار في تمثيل الاقتناع القديم خوفاً من المحيط أو خشيةً من الاتهام بالتراجع …
أما نحن، فنقولها بوضوح : لا كرامة في المكابرة على حساب الناس، ولا بطولة في تكرار الخطأ، ولا سيادة في أن يبقى قرار الحرب والسلم خارج الدولة …
لقد آن الأوان لأن تكون حماية اللبنانيين أولويةً فوق حماية السلاح، وأن تكون إعادة إعمار الجنوب وعودة أهله إلى بيوتهم أهم من إعادة إنتاج الخطابات نفسها، وأن تكون مصلحة لبنان فوق أي حساب إيراني أو إقليمي …
قد يختلف الناس على المسؤوليات، وقد يتجادلون طويلاً حول من أخطأ ومن خُدع ومن ضُلّل …، لكن لا يجوز أن يتحوّل هذا الجدل إلى ذريعة لتأجيل الحلّ، ولا أن تصبح التضحيات الماضية مبرراً لتضحيات جديدة …
المأساة ليست فقط أن مشروعاً سقط أو أن سلاحاً فقد جدواه …، المأساة الأكبر أن يعرف الإنسان الحقيقة، ثم يختار إنكارها لأن الاعتراف بها يؤلمه …
وفي النهاية، سيبقى السؤال الأكثر قسوة :
إذا كان الذين دفعوا الثمن قد بدأوا يراجعون، وإذا كان الذين دافعوا عن السلاح قد صاروا يسألون عن جدواه، وإذا كانت الحقيقة قد وصلت إلى الغرف المقفلة قبل أن تصل إلى المنابر، فمن الذي ما زال يحتاج إلى مزيد من الدم والدمار كي يعترف بأن زمن المكابرة يجب أن ينتهي ؟!؟!…
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات كي ينهض …، يحتاج إلى دولة لا ينازعها أحد على قرارها، وسلاح واحد شرعي، وقرار حرب وسلم لا يُتّخذ إلا باسم اللبنانيين جميعاً ومن خلال مؤسساتهم الدستورية …
أما المكابرة، سواء أكانت خوفاً أم كبرياء، فلن تعيد بيتاً إلى صاحبه، ولن تعيد ابناً إلى أمّه، ولن تحجب حقيقة النكبة …، والحقيقة، مهما تأخّر الاعتراف بها، تبقى أقوى من كلّ الأوهام …
اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?