الوجع الأكبر

المسيرة- حين يعجز الوصي عن تقديم الحلول، قد يلجأ إلى الروايات التي تفسّر العجز، وتمنح الواقع معنى يسهّل تقبّله. ومع الوقت، قد تختلط الوقائع بتأويلاتها، ويصبح من الصعب التمييز بين ما حدث فعلًا وما اعتدنا سماعه. وتبدأ لعبة الأقنعة؛ فيختلط الدور بصاحبه، والصورة بالحقيقة، ويصبح المشهد أكثر إقناعًا من الواقع نفسه.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

ثم يدخل إلى اللعبة عنصران يزيدان تعقيدها: النفوذ والمال.

عندها لا يعود الأمر مجرّد براعة في الإقناع. فقد يؤثّر النفوذ في حرية الاختيار، وقد تجعل المصالح بعض الناس أكثر تمسّكًا برواية دون سواها. وهكذا يصبح المشهد أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسه، ويغدو الخروج منه أصعب على الإخوة الصغار.

لا تعود الرواية مجرّد تفسير للواقع، بل تصبح أحيانًا وسيلة لتشكيله، وتحديد ما يستطيع الناس رؤيته أو التفكير فيه. لكنّ الحقيقة لا تختفي لمجرّد أنّها غابت عن المشهد، ولا تصبح الرواية حقيقة نهائية لمجرّد أنّ كثيرين اعتادوا تصديقها.

ومن هنا يبدأ السؤال الأعمق: كيف نواجه الفكرة التي تجعل من الوصاية حماية، ومن التبعية ضرورة، ومن التخلّي عن المسؤولية راحةً من عناء الاختيار؟

فالأوصياء لا يستمدّون تأثيرهم من قدرتهم وحدها، بل أيضًا من الرواية التي تقول للإخوة الصغار:

أنتم عاجزون، ونحن نعرف ما يصلح لكم.

أنتم لا تستطيعون، ونحن نستطيع.

اتركوا لنا القرار، واتبعونا.

وقد يتبنّى بعض الناس هذه الرواية قبل التحقّق من حقيقتها، فتتّسع دائرة الاعتماد على الآخرين، وتبقى الحقيقة خارج المشهد.

وهنا يصبح فهم الرواية ومراجعتها أهمّ من مجرّد تبديل الأدوار. فالمشكلة لا تنتهي بتغيير الأشخاص إذا بقيت الأفكار التي تمنح الوصاية شرعيتها على حالها.

لذلك، لا تبدأ استعادة الوطن من تبديل الأشخاص أو الأدوار فحسب، بل من مراجعة الأفكار التي تجعل الوصاية أمرًا طبيعيًّا، والتبعية نوعًا من الحماية، والتخلّي عن المسؤولية راحةً من عناء الاختيار.

فالمواطن ليس أخًا أصغر في وطنه، ولا يحتاج إلى من يمنحه حق التفكير أو يقرّر عنه معنى مصلحته. إنّه شريك في المسؤولية والقرار، وفي بناء الدولة التي تحمي الجميع على قدم المساواة.

وهنا تبدأ حكاية لبنان.

لبنان الذي لا تنقصه الحكايات عن نفسه، ولا الشعارات التي تتنازع على تمثيله، بل يحتاج إلى أن يكتشف أبناؤه ما يجمعهم، وأن يدركوا أنّ اختلافهم لا يحكم عليهم بالاقتتال، وأنّ ما يجمعهم أكبر ممّا يفرّقهم.

فما أقسى أن يعيش الإنسان على أرض وطنه، ولا يدرك معنى الرسالة التي يحملها هذا الوطن! وما أشدّ الوجع حين يتقاتل أبناؤه على أرضه، فيما كان يمكنهم أن يتعاونوا على أداء دورهم الإنساني في العالم.

وهذا هو الوجع الأكبر: أن يعجز أبناء لبنان عن اكتشاف جوهر الرسالة التي يحملها وطنهم، وأن ينشغلوا بالصراع فيما يستطيعون أن يجعلوا من تعايشهم وشراكتهم رسالةً إنسانية تتجاوز حدود الوطن.

فلبنان ليس رسالةً لأن أبناءه يعيشون معًا فحسب، بل لأنّ اجتماعهم، على اختلافهم، يمكن أن يكون بداية لقاء أوسع، يتجاوز حدود الوطن إلى الشعوب.

وحين يكتشف أبناؤه أنّ اختلافهم لا يمنع لقاءهم، وأنّ تنوّعهم ليس سببًا للعداوة، يستطيعون أن يوسّعوا طاولة وطنهم، لتصبح طاولةً كونية تجتمع حولها الشعوب.

طاولة لا تختفي حولها اللغات، بل تسقط الحواجز التي جعلت منها جدرانًا بين البشر. يتكلّم الجميع مع الجميع، ويكتشفون أنّ اختلاف الكلمات لا يمنع وحدة المعنى، وأنّ اختلاف الهويّات لا يلغي وحدة الإنسان.

هناك، تتراجع العداوة، وتفقد الكراهية مبرّراتها، ويمدّ كل شعب يده إلى الآخر، لا ليأخذ خبزه، بل ليقاسمه إيّاه.

إنّه خبز السَّلام؛ الخبز الذي لا تكتمل مائدته إذا بقي شعب خارجها، أو ظلّ إنسان غريبًا عن أخيه.

وعندها فقط، نفهم لماذا دُعيتَ يا لبنان رسالة.

لأنّك لست الخبز الذي يُفرَض على العالم، بل الخميرة التي تسهم في نضج عجين الإنسانية.

من الحروف الأبجدية التي أسهمت في تقريب الإنسان من أخيه، إلى مائدة كونية يتقاسم حولها البشر خبز السلام، تمتدّ رسالة لبنان: أن ينتقل الإنسان من التواصل بالكلمات إلى اللقاء بالمحبّة، ومن الاعتراف باختلافه إلى اكتشاف إنسانيته المشتركة.

ولأنّ رسالتك لا تنتهي حين يجتمع أبناؤك حول طاولتهم، بل تبدأ حين يصبح اجتماعهم دعوةً إلى اجتماع الشعوب.

رسالتك أن تقول للإنسان:

نحن إخوة في وطن، وشركاء في إنسانية واحدة.

وحين يجتمع أبناء لبنان حول طاولتهم، وتتّسع لتجمع شعوب العالم، نتقاسم خبز السلام.

وعندها، تسقط الأقنعة.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?