منذ تولّيها وزارة التربية والتعليم العالي وانطلاقها بالأعمال وإصدار القرارات، واجه أصحاب الشأن العام والتلاميذ والأهالي صعوبةً في التواصل مع الوزيرة ريما كرامي. إلّا أنّ الصدمة كانت يوم أصدرت قراراً يقضي بدمج أو إغلاق بعض المدارس الرسميّة بحجة عدم استيفائها للشروط بسبب قلّة عدد التلاميذ المطلوب بالحدّ الأدنى، لتغطية المصاريف. القرار لم يظلم التلاميذ وأهاليهم فحسب، بل أيضا المدرسة الرسميّة ككلّ بتاريخها وحاضرها والمستقبل الواجب أن تحمله للأجيال المقبلة. فما المعايير والإعتبارات التي اعتمدتها الوزارة لتحديد المدارس الرسميّة التي قد تُقفل أو تُدمج؟ كيف أتى وقع هذا القرار على مختلف المناطق والمدارس، وما الأعباء والتداعيات التي نتجت عنه؟
إنطلاقاً من صلب القرار ومعاييره، يشرح عضو لجنة التربية الوطنية النائب أنطوان حبشي لـ”المسيرة” أنّ الوزارة اعتمدت على تحديد المدارس التي قد تُقفل أو تُدمج بحسب عدد التلاميذ وفقاً لعدد الأساتذة، بالإضافة إلى القطر الجغرافيّ وإمكانيّة وجود مدرسة قريبة من المدرسة المدرجة على لائحة الإقفال أو الدمج. إلّا أنّ المضيّ في هذا القرار وفق عدد التلاميذ هو حتمًا غير كافٍ، وهذا ما تبيّن في الوقائع على الأرض، إذ كان من الأجدى القيام بدراسة كاملة شاملة تُعرض أمام الرأي العام، وتأخذ في الإعتبار المعايير العلمية والتربوية المطلوبة، بدءا من الموقع الجغرافي إلى عدد التلاميذ نسبةً لعدد الأساتذة. إلّا أنّ الإشكاليّة هي في تطبيق قرار وإقفال بعض المدارس من دون الإستناد الى كافّة المعايير أو ضمن إطار دراسة واضحة، تخفّف من أعباء الدولة وتراعي أحوال الأهالي من دون زيادة التكاليف عليهم. وفي ما خص وزارة التربية يؤكّد حبشي لـ”المسيرة” أنّ الوزارة بحاجة لإصلاح جذريّ بسبب الهدر الموجود. وعلى سبيل المثال إستئجار مبانٍ جديدة بمبالغ طائلة على الرغم من وجود مبانٍ بالقرب منها تابعة للدولة، بالإضافة إلى أعداد التلاميذ الهائلة التي ما من قدرة لأيّ دولة على تحمّلها. أما القيام بهذا الإصلاح فيتطلب دراسة شاملة، والتواصل مع البلديات وذوي التلاميذ، والقيام بدراسة حول التوزّع الجغرافيّ وعدد التلاميذ بالنسبة للأساتذة.


تضم مدرسة رشميا 23 تلميذاً لصفوف الثانوية الثلاثة أي دون المعدّل الذي حدّدته الوزارة، ألا وهو 50 تلميذًا، إلّا أنّ واقعها الماليّ الذي لا يرتّب على الدولة أية أعباء مالية، وبُعدها عن أقرب مدرسة أكثر من عشر كيلومترات يُبدّل ضرورة إقفالها أو دمجها بعيداً عن الأرقام فحسب. إلى جانب الواقع المرتبط بمدرسة رشميا وطلّابها والأعداد، فإنّ لتاريخها حصّة مهمّة في دراسة حالتها، إذ يؤكّد متّى أنّ في بعض الأحيان يجب النظر إلى الطابع المعنويّ بعيداً من الأرقام والإحصائيات، فمدرسة رشميا تأسّست منذ 100 عام وخرّجت مئات الأجيال، يمنحها طابعاً تاريخيًّا ومعنويًّا مهمًّا للمنطقة. وكان من الأجدى أن تمنح الوزيرة مهلة سنة للمدرسة لإعطاء فرصة زيادة عدد التلاميذ قبل اتّخاذ قرار إقفالها أو الدمج فوراً. والنتيجة يجب أن تُدرس بحسب نسبة تزايد العدد وليس بحسب تعداد مجموع التلاميذ، ممّا يعود بالفائدة على المدرسة الرسميّة، إذ إنّ على الوزارة أن تشجّع الطلاب والأهالي على البقاء في بلداتهم وليس فرض ظروف تدفعهم للنزوح عنها.
المشهد يتكرر في مدرسة حصرون الرسمية التي تتخبّط بين امكانيّة إعادة فتحها أو حتميّة الإقفال. وفي هذا السياق يقول رئيس بلدية حصرون المهندس جيرار السمعاني لـ”المسيرة” إنّ بعد قرار إقفال المدارس الرسميّة التي لا تستوفي الشروط اللازمة، أصدرت الوزارة قراراً جديداً يقضي بفتح كافّة المدارس التي تقع على ارتفاع الألف متر وما فوق، لما يرتبط بصعوبة التنقّل في فصل الشتاء وأثناء العواصف الثلجيّة. إذ كنّا، كبلدية حصرون، أرسلنا كتباً لوزيرة التربية بهدف مراعاة خصوصية البلدات الجبليّة وصعوبات الإنتقال منها، ولا سيما خلال فصل الشتاء، وحرصاً على استمرارية التعليم الرسميّ في البلدة وتأمين الظروف المناسبة لتلامذتها، وما يرتبط بذلك من أعباء تعليميّة واجتماعيّة وماديّة على أهاليهم. إلّا أنّ إعادة الفتح مرتبطة بعدد التلاميذ، الذي يتطلّب وجود سبعة تلامذة كحدّ أدنى في كلّ صفّ من المرحلة الثانويّة، وعشرة تلامذة كحدّ أدنى في كلّ صفّ من المرحلة التكميليّة. وبالتالي يعود موضوع إعادة فتح مدرسة حصرون إلى إمكانيّة عودة التلاميذ الذين كانوا مُسجّلين فيها ولجأوا إلى مدارس أخرى بعد القرار. خاصّةً وأنّ العام الدراسيّ قد بدأ ولجأ الأهالي إلى بدائل أخرى لتأمين التعليم لأبنائهم، لذلك كانت عودة التلاميذ إلى مدرسة حصرون هذه السنة شبه مستحيلة على عكس ما يروّج له البعض. وفي حال لم يُعدْ فتح مدرسة حصرون يشرح السمعاني أن البدائل من تأمين وسائل وكلفة النقل إلى مدرسة أخرى، ستوضع على الطاولة وسيتمّ العمل على إيجاد طريقة تأمين بدل نقل للطلاب الذي سيتوجّهون من حصرون إلى ثانوية بشري أو غيرها من المدارس. من هنا أهمية معالجة قرار الإقفال عبر إيجاد حلول وبدائل للأهل من دون أن يكبّدهم تكاليف وأعباء إضافيّة. أمّا عن الحلّ لإستمرار التعليم الرسميّ في البلدة، فيؤكّد السمعاني أنّه على الدولة وضع سياسة عامّة وإعادة هيكلة التعليم الرسميّ على مستوى البلد ككلّ، ممّا يساعد المدارس الرسميّة على النهضة لتعود وتستقطب الطلاب من جديد كما كانت في السابق. فحين يُقدّم للطالب مستوى متقدّم ومتطوّر من العلم في المدارس الرسميّة وبظروف مناسبة من دون إضرابات أو تأخير، من المؤكّد أنّها ستكون الخيار الأوّل والجديّ للأهالي، خصوصًا مع إرتفاع أقساط المدارس الخاصّة التي تخطّت القدرة الماديّة لمعظم الأهل.


إنطلاقا مما تقدم لا يوجد سبب جوهريّ وواضح لدمجها أو إقفالها، سيما وأن معيار الترشيد لم يعد يُطابق معيار متوسطتي إهمج ومشمش، وبات الإقفال جائرًا ومتعمَّدًا لمتوسطة مشمش الرسميّة. وعليه جاء قرار وزارة التربية بالتراجع عن قرار الإقفال. وتؤكّد الحايك أنّ قرار الوزارة لم يقتصر على متوسطتي إهمج ومشمش فحسب، بل تمدّد ليصل إلى مدرسة دون بوسكو الرسميّة – الحصون ومدرسة أنطون سعيد الرسميّة – تجمّع روضات مشان، إذ قرّرت وزيرة التربية دمج المدرستين وإستقبال التلاميذ في مبنى مدرسة أنطون سعيد الرسميّة، التي لا تستوعب أكثر من 30 طالبًا، وهي غير مجهّزة لإستقبال طلاب مدرسة دامجة كمدرسة دون بوسكو. عدا عن أنّ مبنى مدرسة أنطون سعيد الرسميّة قديم ومدعّم بجسور حديديّة ولا يصلح لإستقبال تلاميذ، وعدد التلامذة فيه لا يتجاوز الخمسة. في حين أنّ مبنى مدرسة دون بوسكو الرسميّة جديد ونموذجيّ، ويستقبل أكثر من مئة تلميذ وقادر على استيعاب عدد أكبر. وقد تمّ ترميمه عام 2024 بقرض بلغت قيمته 390 ألف دولار أميركي من البنك الدولي وبات اليوم يشكّل ديناً على الدولة واجب تسديده من جيوب المواطن اللبنانيّ. وهذا القرار يعود تطبيقه إرضاءً للتعليم الخاصّ، إذ إنّ “العلمانيين” الذين يديرون معهد دون بوسكو في الفيدار، قرّروا رفع كلفة إيجار مبنى مدرسة دون بوسكو – الحصون من 18 ألف دولار إلى 71 ألف دولار سنويًّا، بهدف تحويل المبنى إلى مدرسة خاصّة، نظراً لتطوّره وجهوزيّته المتقدّمة. في حين أنّ شروط البنك الدوليّ كانت بأن يكون المبنى ملكاً للدولة أو لديها عقد إيجار بما لا يقلّ عن 10 سنوات. وبدل أن تلجأ وزيرة التربية للقانون والمحافظة على مبنى دون بوسكو – الحصون قرّرت إغلاقه، وبالتالي نكون قد خالفنا شروط قرض البنك الدوليّ، وهدرنا الأموال، وقدّمنا مبنى متطوّرًا ونموذجيًا للتعليم الخاصّ على حساب التعليم الرسميّ.


أرقام واحصاءات وحقائق تُثبت أن واقع التعليم الرسميّ في لبنان يتأرجح بين واقع اقتصاديّ متردٍّ وقرارات وزاريّة مُجحفة بحقّه. وهذا يؤكد ضرورة إجراء دراسة كاملة لإعادة هيكلة وتنظيم سير أعمال وزارة التربية بما ينعكس بصورة إيجابيّة لتقدّم وتطوّر التعليم الرسميّ في لبنان. فهل على أصحاب الدخل المتوسّط أو المتدنّي أن يُحارَبوا بعلم أبنائهم أم تكون المدرسة الرسميّة البيت والملاذ الآمن تحت كنف مستوى أكاديميّ متجدّد؟























