من «المقاومة» إلى ابتزاز الدولة : حين يصبح نزع السلاح تهمة، وتهديد اللبنانيين خطاباً سياسياً !!!…


هناك كلمة واحدة تختصر واقع التعاطي مع ما يُسمّى «المقاومة» في لبنان اليوم :
الاستياء من فائض الاستعلاء، ورفض منطق الفرض والابتزاز، والغضب من محاولة تحويل الدولة إلى رهينة سلاح خارج عن سلطتها …

فبعد كل ما حلّ بلبنان واللبنانيين، وبعد الحروب والدمار والتهجير والخسائر التي دفع الناس أثمانها من بيوتهم وأرزاقهم وأبنائهم ومستقبلهم، كيف يمكن لأحد أن يطلب من اللبنانيين مواصلة التصفيق للخطاب نفسه، وترداد الشعارات نفسها، والتسليم بالمعادلات الخشبية نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا القدر من المآسي ؟!؟!…

المشكلة لم تعد مجرّد خلاف سياسي حول جدوى السلاح أو حول الخيارات الاستراتيجية …، المشكلة أعمق بكثير :
فئة من اللبنانيين تتصرّف وكأن لها حقّاً استثنائياً في تقرير مصير البلد، وكأن سائر اللبنانيين مطالبون بالخضوع لقراراتها، وتحمل نتائج حروبها، ثم شكرها على ما تسبّبت به من كوارث !!!…

أي منطق هذا الذي يسمح لفئة داخل طائفة بأن تتحدّث باسم الطائفة بأكملها، ثم تحاول فرض إرادتها على بقية الطوائف، وتتعامل مع الدولة ومؤسساتها وكأنها تفصيل يمكن تجاوزه كلما تعارض مع حساباتها ؟!؟!…

وأي شراكة وطنية هذه التي يُطلب فيها من اللبناني أن يقبل بقرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية، فيما لا يملك حقّ الاعتراض على النتائج، ولا حقّ مساءلة من اتخذ القرار ؟!؟!…

إنّ لبنان ليس ملكاً لأحد، ولا هو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا يجوز أن يبقى شعبه أسير خيارات عسكرية وسياسية لا يملك قرارها ولا يتحمّل أصحابها وحدهم كلفتها …

لقد كشفت الحروب حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عندما يُختزل القرار الوطني بإرادة تنظيم مسلّح مرتبط بمحور إقليمي، وعندما تصبح حسابات الخارج أقوى من مصالح اللبنانيين وأمنهم واستقرارهم …، ولا يحتاج اللبنانيون إلى مزيد من الشعارات كي يدركوا أن السلاح، مهما أُحيط به من هالة، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا أن يمنح أصحابه حقّ احتكار الوطنية أو توزيع شهادات الخيانة على معارضيهم …

والأكثر إيلاماً أنّه، بعد كل هذه التجارب، لا يزال بعضهم يتصرّف وكأن المطلوب من اللبنانيين هو الصمت، لا النقاش، والخضوع، لا الشراكة، والتسليم بالأمر الواقع، لا المطالبة بدولة تحمي الجميع من دون استثناء …

لقد سقطت هيبة الشعارات أمام ثقل الوقائع، ولم يعد تكرار كلمة «المقاومة» كافياً لإعفاء أصحابها من المساءلة عن قراراتهم ونتائجها …، فالوطنية لا تُقاس بعلوّ الصوت، ولا بعدد الصواريخ، ولا بحجم الشعارات، بل بمدى احترام الإنسان وكرامته، وبالقدرة على حماية الوطن، وبالالتزام بمصلحة اللبنانيين قبل أي مصلحة أخرى …

من التهديد بالسلم الأهلي إلى التحذير من «استفزاز المقاومة» !!!…

في كل مرحلة، يظهر قاموس جديد لتبرير الواقع نفسه …، مرّة يُشهرون في وجه اللبنانيين سلاح «الوحدة الوطنية»، ومرّة يحذّرون من المسّ بالسلم الأهلي، ومرّة يلوّحون بعودة الفتنة، واليوم يُضاف تعبير آخر إلى هذه اللائحة : «لا تستفزّوا المقاومة» !!!…

ولكن، عفواً، من الذي يستفزّ من ؟!؟!…
وهل المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة استفزاز؟ وهل تطبيق الدستور وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية اعتداء؟
وهل السؤال عن مسؤولية من يقرّر الحرب والسلم خروج عن الوطنية؟
وهل مطالبة اللبنانيين بحقهم في الأمن والاستقرار تُعدّ جريمة بحق فئة مسلّحة ؟!؟!…

منذ متى أصبح تطبيق القانون استفزازاً، وأصبح احتكار الدولة للسلاح تعدّياً على حقوق الآخرين ؟!؟!…

ومنذ متى بات على الدولة أن تحسب حساب ردّة فعل أي تنظيم مسلّح قبل أن تمارس صلاحياتها الدستورية ؟!؟!…

إنّ أخطر ما في هذا الخطاب ليس المصطلح بحدّ ذاته، بل العقلية التي تقف خلفه :
عقلية تعتبر أنّ هناك جهة لا يجوز مساءلتها، ولا يجوز الاعتراض على قراراتها، ولا يجوز إخضاع سلاحها لسلطة الدولة، لأنّ مجرد المطالبة بذلك قد يثير غضبها !!!…

وهنا جوهر المشكلة :
عندما يُطلب من الدولة أن تتراجع خوفاً من ردّة فعل جهة مسلّحة، نكون أمام قلبٍ كامل لمفهوم السلطة …، فبدلاً من أن يخضع السلاح للقانون، يصبح القانون رهينة السلاح، وبدلاً من أن تحمي الدولة المواطنين، يصبح المواطنون مطالبين بحماية الوضع القائم من أي محاولة لتغييره …

هذه ليست شراكة وطنية، بل معادلة اختلال في ميزان الدولة، وليست حماية للسلم الأهلي، بل تحويل لهذا السلم إلى وسيلة ضغط تُستخدم كلما طُرحت مسألة السيادة والمحاسبة …

كفى ابتزازاً باسم الوحدة الوطنية !!!…

الوحدة الوطنية لا تعني أن يحقّ لفريق أن يفعل ما يشاء، فيما يُمنع الآخرون من الاعتراض …، ولا تعني أن يتنازل اللبنانيون عن حقهم في دولة فعلية كي لا يغضب من يملك السلاح …، فالوحدة الوطنية الحقيقية تقوم على المساواة أمام القانون، وعلى احترام المؤسسات، وعلى شراكة لا تمنح أحداً امتيازات فوق الدستور …

أما السلم الأهلي، فلا يُصان بإسكات الناس، ولا بتخويفهم، ولا بترك السلاح خارج المساءلة …، يُصان بمنع أي طرف من فرض إرادته بالقوة، وبإرساء دولة قادرة على حماية جميع مواطنيها، وبإقناع اللبنانيين بأن خلافاتهم تُحلّ في المؤسسات، لا تحت ضغط التهديد أو الخوف من انفجار داخلي …

ومن يريد فعلاً حماية الوحدة الوطنية، فليبدأ باحترام شركائه في الوطن، وبالإقرار بأنهم متساوون معه في الحقوق، وأنهم ليسوا مواطنين من درجة ثانية، ولا مطالبين بتقديم التنازلات الدائمة كي تستمر معادلة الأمر الواقع …

ومن يريد حماية السلم الأهلي، فليتوقف عن استخدامه ورقةً سياسية كلما اقترب النقاش من جوهر الأزمة :
من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
ومن يحدّد مصلحة اللبنانيين؟
ومن يتحمّل مسؤولية القرارات التي تجرّ البلاد إلى المواجهات والدمار ؟!؟!…

هذه أسئلة مشروعة، ولا يمكن لأي خطاب ترهيبي أن يُسقط مشروعيتها …

حين يصبح التهديد بديلاً عن الحجة

إنّ العبارة التي تختصر منطق الابتزاز هي :
إذا قرّرتم نزع سلاحنا ومصادرة متفجراتنا، فسوف تدفعون البلد إلى المجهول !!!…

قد تختلف العبارات وتتبدّل النبرات، لكن الرسالة التي يفهمها اللبناني من هذا النوع من الخطاب واحدة :
لا تقتربوا من سلاحنا، ولا تمسّوا امتيازاتنا، ولا تحاولوا إخضاعنا لسلطة الدولة، وإلا وضعنا الاستقرار الداخلي على المحك …

وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً :
لا يجوز أن تتحوّل إمكانية وقوع أزمة إلى حقّ دائم في تعطيل الدولة، ولا أن يصبح الخوف من الفوضى مبرّراً لاستمرار الوضع الذي يجعل الدولة عاجزة عن بسط سلطتها …

إنّ أي تهديد بالعنف أو بالفوضى، إذا صدر فعلاً عن جهة سياسية أو مسلّحة، يجب أن يُواجَه بالاحتكام إلى القانون والمؤسسات، لا بالتراجع عن الحقوق الدستورية …، فالدولة التي تتخلّى عن صلاحياتها خوفاً من التهديد، تُشجّع منطق التهديد، وتفتح الباب أمام تكراره في كل استحقاق …

ولا يعني ذلك الاستهانة بمخاطر الانقسام أو تجاهل حساسية المرحلة، بل العكس تماماً :
حماية اللبنانيين تقتضي معالجة الأزمة بعقل الدولة، وبمسؤولية وطنية، وبخطوات دستورية واضحة، بعيداً عن الانتقام أو الاستفزاز أو أي محاولة لجرّ البلاد إلى مواجهة داخلية …

لكنّ الحكمة لا تعني الاستسلام، والحرص على السلم الأهلي لا يعني منح أي طرف حصانة دائمة، والتدرّج في معالجة ملف السلاح لا يعني التخلّي عن الهدف النهائي المتمثّل في دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار سيادي واحد …

من يهدّد الدولة لا يستطيع أن يطالبها بالخضوع له

المطلوب اليوم ليس فتح معركة بين اللبنانيين، ولا استهداف طائفة، ولا تحميل جماعة بأكملها مسؤولية خيارات قيادة أو تنظيم …، المطلوب هو الفصل الواضح بين المواطنين وحقوقهم من جهة، وبين أي مشروع سياسي أو عسكري يريد أن يحتفظ بقرار مستقل عن الدولة من جهة أخرى …

فالطائفة الشيعية الكريمة جزء أصيل من لبنان، وشريك كامل في الوطن، ولا يجوز اختزالها بسلاح أو تنظيم أو خطاب سياسي، كما لا يجوز لأي جهة أن تدّعي احتكار تمثيلها أو أن تجعل حقوق أبنائها مرتبطة باستمرار معادلة السلاح خارج سلطة الدولة …

إنّ الدفاع عن سيادة لبنان ليس استهدافاً للشيعة، تماماً كما أنّ المطالبة بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية ليست عداءً لأي مكوّن لبناني …، إنها مطالبة بحقّ جميع اللبنانيين في وطن لا يقرّر أحد مصيره منفرداً، ولا يجرّه أحد إلى الحرب من دون تفويض دستوري، ولا يفرض فيه فريق على الآخرين خياراته بالقوة أو بالتهديد …

وإذا كان هناك من يعتقد أنّه يستطيع إبقاء لبنان رهينة إلى ما لا نهاية، فعليه أن يفهم أنّ المجتمعات لا تستطيع العيش إلى الأبد تحت ضغط الخوف، وأنّ الأزمات المتراكمة لا تُحلّ بإعادة إنتاج الخطاب نفسه، وأنّ اللبنانيين، مهما اختلفوا في السياسة والطائفة والانتماء، لهم حقّ واحد لا يجوز مصادرته : أن يعيشوا في دولة تحميهم، لا في بلد يخشون فيه الاعتراض على من يملك السلاح.

الخلاصة واضحة : لا استفزاز في المطالبة بالدولة، ولا اعتداء في تطبيق الدستور، ولا خيانة في رفض الحروب التي لا يقرّرها اللبنانيون عبر مؤسساتهم الشرعية …

أمّا التلويح بالسلم الأهلي كلما طُرح ملف السلاح، فلا يمكن أن يبقى بديلاً عن الإجابة عن السؤال الأساسي :
هل نقبل بلبنان دولةً ذات سيادة، أم نقبل باستمرار ازدواجية القرار التي جعلت البلد يدفع أثماناً باهظة ؟!؟!…

لقد آن الأوان للخروج من لغة التخويف إلى لغة المسؤولية، ومن منطق الامتيازات إلى منطق المساواة، ومن دولة تتردّد في ممارسة صلاحياتها إلى دولة تحمي جميع مواطنيها بالقانون …

فلبنان ليس ملكاً لمحور، ولا رهينة لتنظيم، ولا ساحة لتصفية حسابات الآخرين …

ومن يريد السلم الأهلي حقاً، فليقبل بدولة قوية وعادلة، ومن يريد الوحدة الوطنية، فليحترم شركاءه في الوطن، ومن يريد أن يكون جزءاً من مستقبل لبنان، فليقبل بأن يكون السلاح والقرار والحرب والسلم تحت سقف الدولة وحدها …

أمّا التهديد، أياً كان مصدره، فلا يصنع شرعية، والخوف لا يصنع وطناً، والسلاح لا يمنح أحداً حقّ الوصاية على اللبنانيين …

الدولة ليست استفزازاً …، السيادة ليست جريمة …، ولبنان لا يمكن أن يبقى رهينة من يرفض أن يخضع للقانون …
اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?