الحكيم يرفع البطاقة الحمراء في وجه حكومة تخالف بيانها الوزاري وخطاب القسم الرئاسي

المسيرة – لم تكن إطلالة رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع في برنامج «صار الوقت» مع مارسيل غانم، مجرّد مقابلة سياسية عابرة، بل حملت رسالة واضحة إلى السلطة: لا يمكن مطالبة اللبنانيين بالثقة بالدولة فيما تبقى الالتزامات التي قطعتها على نفسها حبرًا على ورق، ولا يمكن بناء عهد جديد بالوعود إذا كانت الممارسة اليومية تناقض الأهداف التي أُعلن عنها عند انطلاقه.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

من هنا، يمكن قراءة مواقف الحكيم باعتبارها رفعًا للبطاقة الحمراء في وجه نهج سياسي يهدّد بإعادة إنتاج الأزمة نفسها، بعدما علّق اللبنانيون آمالًا على انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة قادرة على استعادة القرار الوطني، وبسط سلطة الدولة، وإطلاق مسار الإصلاح.

فالمسألة لم تعد خلافًا بين فريق سياسي وآخر، ولا مجرّد تباين في وجهات النظر داخل مجلس الوزراء. إنها تتصل بجوهر الدولة التي يريدها اللبنانيون، وبمدى التزام السلطة بتعهداتها الدستورية والسياسية، وفي مقدّمها ما ورد في خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري.

فالبيان الوزاري ليس ورقة عبور إلى السلطة، وخطاب القسم ليس خطابًا احتفاليًا. كلاهما التزام أمام اللبنانيين، وأي تراجع عن مضمونهما يستوجب المساءلة.

حين يتحدث الحكيم عن ضرورة تنفيذ القرارات المتعلقة ببسط سلطة الدولة، فهو يضع الحكومة أمام مسؤولية لا يمكن التهرب منها: إذا كانت السلطة قد أعلنت التزامها بحصرية السلاح وبسط سيادة المؤسسات الشرعية، فما الذي يمنع ترجمة هذه الالتزامات إلى خطوات عملية واضحة؟

إن الدولة لا تستعيد هيبتها بمجرد إعلان القرارات، بل بقدرتها على تنفيذها. والسيادة لا تُقاس بعدد البيانات الوزارية والقرارات الحكومية التي تتحدث عنها، بل بمدى قدرة المؤسسات الشرعية على فرض القانون وتطبيقه على الجميع من دون استثناء.

لقد عانى لبنان طويلًا من ازدواجية القرار، ومن وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة، ومن تحوّل قضايا السيادة إلى ملفات تخضع للتسويات والمساومات. ولذلك، فإن أي حكومة تتعهد بتغيير هذا الواقع مطالبة بإثبات جديتها من خلال التنفيذ، لا الاكتفاء بإدارة التناقضات.

وهنا تكمن أهمية موقف الحكيم: فهو لا يطالب السلطة بأمر خارج عن التزاماتها المعلنة، بل يدعوها إلى الوفاء بما تعهدت به أمام اللبنانيين. وإذا كان المطلوب احترام البيان الوزاري وخطاب القسم، فإن أول شروط ذلك هو عدم السماح للتوازنات السياسية بتعطيل القرارات التي يفترض أن تعيد للدولة سلطتها.

إن حصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلبًا حزبيًا خاصًا بـ«القوات اللبنانية»، بل مبدأ يرتبط بقيام دولة واحدة، وجيش واحد، ومرجعية دستورية واحدة. ومن حق اللبنانيين أن يعرفوا ما إذا كانت الحكومة جادة في تطبيق هذا المبدأ، وما الخطوات التي ستعتمدها لتحقيقه.

أما التحذير من المخاطر التي قد ترافق هذا المسار، فلا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة دائمة لتأجيله. فالمطلوب هو إدارة المرحلة بمسؤولية وحكمة، مع حماية الاستقرار الداخلي، لكن من دون التخلي عن الهدف الأساسي المتمثل في استعادة الدولة قرارها السيادي.

لم يتعامل الحكيم مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة باعتبارهما خصمين سياسيين، بل أقرّ بأنهما نقلا البلاد إلى شكل مقبول من الدولة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الممارسة اليومية تتضمن أمورًا لا يمكن السكوت عنها.

فدعم العهد لا يعني إعفاءه من المساءلة، والتعاون مع الحكومة لا يفرض الصمت عن الأخطاء أو التراجع عن المبادئ. بل إن الدعم السياسي الحقيقي يقتضي التنبيه إلى مواطن الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

من هنا، ليس مطلوبًا من «القوات اللبنانية» أن تتخلى عن مواقفها السيادية من أجل الحفاظ على وهم الانسجام الحكومي، كما ليس مطلوبًا من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يتعاملا مع كل انتقاد باعتباره محاولة لإضعافهما. فالهدف المفترض أن يجمع الجميع هو بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، وفرض القانون، واستعادة ثقة المجتمع اللبناني والمجتمع الدولي.

أما في ملف الكهرباء، فقد أشار الحكيم إلى أن هذه المعضلة المزمنة لم تعد مجرد أزمة خدماتية، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لجدية الحكومة وقدرتها على الانتقال من تشخيص الأزمات إلى اتخاذ القرارات الحاسمة وتنفيذها. فبعد خمسين عامًا من السياسات الفاشلة، وخمسة عشر عامًا من النهج المدمّر، تفشّى الفساد واستُبيحت الصفقات والتلزيمات بالتراضي، فاستنزفت خزينة الدولة وأسهمت في تبديد أموال المودعين. وهكذا، وصل هذا القطاع إلى دمار شبه شامل طال أسسه البنيوية والمالية والتشغيلية، ما يجعل إصلاحه ضرورة وطنية واقتصادية لا تحتمل مزيدًا من التسويف.

من هنا، شدّد الحكيم على ضرورة حسم القرارات المطلوبة ووضعها موضع التنفيذ، محذّرًا من أن استمرار المماطلة لن يؤدي إلا إلى تقليص ساعات التغذية الكهربائية، وزيادة الاعتماد على المولدات الخاصة وما يرافقه من فواتير باهظة، فضلًا عن تعميق الأعباء على الأسر والمؤسسات وإضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني.

وفي هذا السياق، دعى الحكيم الى دعم المسار الإصلاح الذي يقوده وزير الطاقة جو الصدي، والقائم على تفعيل الهيئة الناظمة، وتحسين الجباية، واستقطاب الاستثمارات، وإرساء أسس مالية مستدامة للقطاع. فالمطلوب اليوم ليس إطلاق وعود جديدة، بل اتخاذ قرارات جريئة تعيد بناء قطاع الكهرباء على أسس سليمة، وتضع حدًا لاستنزاف الخزينة والمواطنين، وتعيد للدولة دورها في تأمين خدمة أساسية لا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض من دونها.

وهنا تتكرر المشكلة نفسها: لا يكفي أن تتفق الحكومة على الإصلاح إذا كانت القرارات اللازمة لتنفيذه تتعثر داخلها. فالمواطن لا يريد مزيدًا من التشخيص، بل كهرباء منتظمة وكلفة معقولة وخطة قابلة للاستمرار. والإصلاح الحقيقي يقتضي أن تتحمل الدولة مسؤولياتها المالية والمؤسساتية، وأن تطبق القوانين على الجميع، بما فيها مؤسساتها نفسها.

أعاد الحكيم أيضًا فتح النقاش حول اتفاق الطائف والكلفة السياسية التي ترتبت على التجربة اللبنانية بعد الحرب. لكن أهمية هذا النقاش لا تكمن في استعادة الخلافات التاريخية بين القوى السياسية، بل في استخلاص الدروس التي تسمح ببناء دولة قادرة على العمل.

لقد أثبتت التجربة أن النصوص الدستورية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تتوافر إرادة سياسية لتطبيقها. كما أثبتت أن التسويات التي تهدف إلى تجنب المواجهة قد تتحول، إذا أصبحت قاعدة دائمة للحكم، إلى وسيلة لتعطيل المؤسسات وتأجيل معالجة الأزمات.

لذلك، فإن المطلوب ليس فتح معارك سياسية جديدة حول الماضي، بل الاتفاق على قواعد واضحة للمستقبل: احترام الدستور، وتطبيق القانون، واستقلال القضاء، وحصرية السلاح بيد الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن الهدر والفساد، وعدم السماح لأي طرف بتعطيل المؤسسات خدمةً لمصالحه الخاصة.

وهذا ما يجعل مساءلة الحكومة اليوم ضرورية، لا من أجل تسجيل النقاط عليها، بل لمنع تكرار التجربة التي يدفع اللبنانيون ثمنها منذ عقود.

إن موقف الحكيم يضع السلطة أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: إن الثقة التي منحها اللبنانيون للعهد والحكومة لا يمكن أن تبقى مفتوحة بلا حدود، ولا يمكن أن تستمر إذا لم تقترن النتائج بالوعود.

فرفع البطاقة الحمراء يعني أن استمرار النهج نفسه لم يعد مقبولًا، وأن المطلوب مراجعة الأداء، وتسريع القرارات، والالتزام بالتعهدات التي قامت عليها المرحلة السياسية الجديدة.

في النهاية، لا تُقاس جدية العهد بما أعلنه في خطاب القسم، ولا جدية الحكومة بما كتبته في بيانها الوزاري، بل بما تنفذه على أرض الواقع.

من هنا، فإن الرسالة التي يمكن إستخلاصها من موقف الحكيم واضحة: إذا كانت السلطة قد تعهدت باستعادة سيادة الدولة وإصلاح مؤسساتها، فعليها أن تثبت ذلك بالفعل. أما إبقاء التعهدات معلّقة تحت ضغط التسويات، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين اللبنانيين ودولتهم.

المطلوب اليوم ألا تتحول الفرصة التي منحها الشعب للعهد والحكومة إلى خيبة أخرى. فالدولة لا تُبنى بالنوايا وحدها، والسيادة لا تستعاد بالشعارات، والإصلاح لا يتحقق بتأجيل القرارات.

إما أن تلتزم السلطة بما تعهدت به، وإما أن تتحمل مسؤولية الفجوة بين القول والفعل. تلك هي البطاقة الحمراء التي ينبغي أن تبقى مرفوعة في وجه كل ممارسة تناقض مشروع الدولة، أيًا يكن مصدرها.
.

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?