حين تهدّد الميليشيا الدولة، وتسقط الدولة أمام التهديد : من يحكم لبنان؟!؟!…

ما جرى في ملف متفجّرات ضهر البيدر ليس تفصيلاً قضائياً عابراً، ولا خلافاً إدارياً داخل مجلس الوزراء، بل هو اختبار حقيقي لوجود الدولة اللبنانية نفسها …، فإمّا أن تكون الدولة صاحبة القرار والكلمة الفصل، وإمّا أن نبقى أسرى معادلة خطيرة مفادها أنّ من يرفع سقف التهديد أكثر، يفرض على الدولة ما تريد، ويمنع عنها ما لا يريد …
عندما تتصدّر صحيفة «حزب الله» صفحتها الأولى بعبارة أنّ إحالة ملف ضهر البيدر إلى المجلس العدلي هي «إعلان حرب»، فنحن لا نكون أمام مجرّد موقف إعلامي أو اختلاف في وجهات النظر، بل أمام رسالة سياسية واضحة، عنوانها أنّ الدولة اللبنانية لا يحقّ لها ممارسة صلاحياتها كاملة إذا تعارضت قراراتها مع إرادة الحزب ومصالحه …
وهنا، لا بدّ من وضع الأمور في نصابها الصحيح :
من الذي يعلن الحرب على من ؟!؟!…
هل إعلان الحرب هو إحالة ملف خطير إلى المرجع القضائي المختص، أم أنّ إعلان الحرب الحقيقي هو تهديد الدولة لمنعها من تطبيق القانون ؟!؟!…
منذ متى أصبحت ملاحقة ملف متعلّق بالمتفجّرات إعلان حرب ؟!؟!…
ومنذ متى صار الاحتكام إلى القضاء استفزازاً، فيما يتحوّل التهديد بتفجير البلد إلى وسيلة مشروعة لفرض التراجع ؟!؟!…
وأيّ دولة هذه التي يُفترض أن تحمي مواطنيها، إذا كان عليها أن تستأذن من يهدّد أمنهم قبل أن تتّخذ قراراً قضائياً أو أمنياً ؟!؟!…
الأخطر من ذلك أنّ الصحيفة نفسها عادت لتتحدّث عن «حكمة رئاسية منعت انفجار الشاحنة في البلد»، في إشارة إلى التراجع عن إحالة الملف إلى المجلس العدلي …، وبذلك، لم يعد الأمر مجرّد استنتاج أو تحليل سياسي، بل بات واضحاً أنّ الحزب يريد تسويق معادلة مفادها أنّ التراجع هو الذي منع الانفجار، وأنّ الدولة أحسنت التصرّف عندما تفادت المواجهة معه …
لكن، لحظة واحدة !!!…
هل أصبحت الحكمة في لبنان أن تتراجع الدولة عن قراراتها عندما يهدّدها أحد ؟!؟!…
وهل صار تجنّب الانفجار يعني الاستسلام لمن يلوّح به ؟!؟!…
وهل المطلوب من اللبنانيين أن يشكروا من يضع البلاد على حافة الهاوية، لأنّه يقبل بعد ذلك ألّا يدفعها إلى الهاوية مقابل تنازل جديد ؟!؟!…
هذه ليست حكمة، بل استسلام لمنطق الترهيب …، وليست تسوية، بل تكريس لسلطة الأمر الواقع على حساب سلطة الدولة …، وليست حماية للاستقرار، بل تأجيل لانفجار أكبر، لأنّ كلّ تهديد ينجح اليوم سيصبح غداً سابقة تُستخدم لفرض تهديد جديد …
– الدولة التي تتراجع أمام التهديد تفقد حقّها في مطالبة الآخرين باحترامها
المشكلة الأساسية ليست في المجلس العدلي بحدّ ذاته، ولا في الجهة القضائية التي يُحال إليها الملف، بل في الرسالة التي خرج بها اللبنانيون من هذا المسار :
هناك طرف يستطيع أن يرفع سقف التهديد إلى حدّ التلويح بانفجار البلد، فتجد الحكومة نفسها مضطرّة إلى إعادة حساباتها، فيما يُطلب من اللبنانيين أن يعتبروا ذلك حكمة سياسية …
وهنا تكمن الخطورة …
الدولة لا تُقاس بعدد قراراتها، ولا بعدد البيانات الوزارية التي تصدر عنها، ولا ببلاغة الخطب التي يلقيها المسؤولون …، الدولة تُقاس بقدرتها على تنفيذ قراراتها، وفرض القانون على الجميع، من دون استثناء أو محاباة أو خوف …
أمّا أن تتّخذ الحكومة قراراً، ثم تتراجع عنه عندما يرفع فريق مسلّح صوته بالتهديد، فذلك يعني عملياً أنّ القرار لم يكن سيادياً بالمعنى الحقيقي، وأنّ السلطة الرسمية لا تزال تعمل ضمن حدود يرسمها طرف خارج مؤسساتها …
لا يمكن بناء دولة بقرار يُنفَّذ عندما يرضى الأقوياء، ويُجمَّد عندما يغضبون. ولا يمكن الحديث عن السيادة فيما تبقى الدولة خاضعة لاختبار القوّة الذي يفرضه عليها من يملك السلاح خارج شرعيتها …
لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة هذه المعادلة، منذ عقود طويلة، حين تراجعت الدولة أمام الأمر الواقع، وحين سُمِح للسلاح الخارج عن سلطتها بأن يتحوّل إلى مرجعية سياسية وأمنية، وحين اعتُبرت كلّ محاولة لإعادة الاعتبار إلى المؤسسات مغامرة تستوجب التراجع …
والنتيجة أمامنا : حروب متلاحقة، وأزمات متراكمة، واقتصاد منهار، وشعب يدفع من أمنه وأرزاقه ومستقبل أبنائه ثمن قرارات لم يشارك في صنعها، فيما يصرّ أصحاب السلاح على الاحتفاظ بحقّهم في تحديد مصير البلاد …
فهل نريد أن نكرّر التجربة نفسها، ثم نتساءل بعد سنوات لماذا لم تقم الدولة ؟!؟!…
«القوات اللبنانية» قالت ما كان ينبغي أن تقوله الحكومة كلّها
في هذا السياق، جاء خروج وزراء القوات اللبنانية، من جلسة مجلس الوزراء اعتراضاً على المسار المتّخذ ليعبّر عن موقف سياسي يتجاوز الاعتراض على بند محدّد، ليصل إلى جوهر الصراع في لبنان : هل نحن أمام دولة تقرّر وتنفّذ، أم أمام سلطة رسمية تتعايش مع سلطة موازية تفرض عليها حدود حركتها ؟!؟!…
إنّ موقف «القوات اللبنانية» ينطلق من مبدأ أساسي لا يجوز التهاون فيه :
هيبة الدولة ليست تفصيلاً يمكن التضحية به لتجاوز أزمة عابرة، ولا ورقة يمكن استخدامها في المساومات السياسية، ولا موضوعاً خاضعاً لحسابات العلاقات الشخصية بين المسؤولين …
هيبة الدولة هي الضمانة الأخيرة لكلّ اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومناطقهم وانتماءاتهم …، وعندما تسقط هذه الهيبة، لا تنتصر طائفة على أخرى، بل يخسر الجميع، لأنّ البديل عن الدولة ليس دولة أخرى أكثر عدلاً، بل فوضى تتحكّم فيها موازين القوّة …
ومن هنا، فإنّ الاعتراض على التراجع ليس مجرّد تسجيل موقف أو محاولة لتحقيق مكسب سياسي …، إنّه رفض لتحويل التهديد إلى أداة حكم، ورفض لأن تصبح الحكومة مجرّد إدارة للأزمات التي يخلقها من يرفض الخضوع للقانون …
وليس المطلوب من «القوات اللبنانية» أو من أيّ فريق سيادي أن يفتعل مواجهة مع رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، ولا أن يحوّل الخلاف السياسي إلى معركة شخصية …، المطلوب هو الفصل الواضح بين احترام المؤسسات والرؤساء، وبين السكوت عن قرارات تُضعف المؤسسات نفسها …
يمكن الاختلاف مع رئيس الحكومة من دون المسّ بموقعه، ويمكن الحفاظ على العلاقة مع رئيس الجمهورية من دون التنازل عن الثوابت، ويمكن الاعتراض بوضوح من دون اللجوء إلى الشعبوية أو التجريح …
لكن ما لا يمكن قبوله هو أن تتحوّل المحافظة على العلاقات السياسية إلى ذريعة للصمت عن تراجع الدولة، أو أن يصبح تجنّب الخلاف مع هذا المسؤول أو ذاك أهمّ من تجنّب انهيار ما تبقّى من هيبة المؤسسات …
العلاقة مع الرئاستين يجب أن تقوم على التعاون والاحترام، لا على المقايضة بين الودّ السياسي وكرامة الدولة …
ومن هنا أيضاً، لا يجوز تجاهل الفارق بين من يعترض على مسار حكومي لأنّه يرى فيه مساساً بمبدأ سيادي، وبين من يهوّن من خطورة التراجع أو يحاول تغطيته بنقاشات تقنية حول أهمية المجلس العدلي وصلاحياته …
فالسؤال ليس فقط : هل المجلس العدلي هو المرجع الأنسب لهذا الملف ؟!؟!…
السؤال الأهمّ : هل يحقّ لأيّ طرف أن يفرض على الحكومة، بالتهديد، ما إذا كان الملف سيُحال إلى هذا المرجع أو ذاك ؟!؟!…
إذا كان الجواب نعم، فنحن لا نتحدّث عن خلاف قانوني، بل عن انتقاص مباشر من استقلال القرار الرسمي …
قرار ٢ آذار: هل بقيت له قيمة تنفيذية ؟!؟!…
لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن قرار مجلس الوزراء الصادر في ٢ آذار الماضي، في أعقاب إطلاق «حزب الله» الصواريخ التي أعلن مسؤوليته عنها، والذي أكّد رفض أيّ أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار المؤسسات الشرعية، وشدّد على حصرية قرار الحرب والسلم بالدولة، وعلى حظر النشاطات العسكرية والأمنية للحزب وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة، وفق ما تضمّنه القرار …
كان ذلك موقفاً رسمياً واضحاً في اتجاه إعادة الاعتبار إلى الدولة، وتأكيد أنّ لبنان ليس ساحة مفتوحة أمام قرارات تتّخذ خارج مؤسساته، وأنّ مصير اللبنانيين لا يمكن أن يبقى رهينة حسابات إقليمية أو خيارات عسكرية لا يملك المواطنون سلطة تقريرها …
لكن ما قيمة القرار إذا كان تنفيذه يتوقّف عند أوّل تهديد ؟!؟!…
وما قيمة إعلان حصرية السلاح إذا كانت الدولة تتردّد في ممارسة صلاحياتها كلّما اصطدمت إرادتها بإرادة الحزب؟ وما معنى القول إنّ قرار الحرب والسلم في يد الدولة، إذا كان التهديد بالحرب قادراً على تحديد سقف قراراتها ؟!؟!…
إنّ القرارات السيادية لا تصبح نافذة بمجرّد إعلانها، بل عندما تُترجم إلى إجراءات ثابتة، تُطبّق على الجميع من دون استنسابية، وإلّا تحوّلت إلى عناوين سياسية للاستهلاك، فيما تبقى الوقائع على الأرض خاضعة للمعادلة القديمة نفسها …
لا يمكن للحكومة أن تعلن أنّ الدولة وحدها تقرّر الحرب والسلم، ثم تتصرّف وكأنّها تحتاج إلى موافقة أصحاب السلاح على قراراتها …، ولا يمكنها أن تؤكّد حصرية السلاح، ثم تسمح لمن يرفض هذه الحصرية بأن يحدّد لها ما يجوز وما لا يجوز فعله …
إنّ التناقض بين القول والفعل هو الذي يضرب الثقة بالحكومة، ويضعف صدقيّتها أمام اللبنانيين، ويمنح كلّ من يريد تعطيل قراراتها حافزاً إضافياً للضغط والتهديد …
فمن ينجح في تعطيل قرار اليوم، سيحاول تعطيل قرار الغد، ومن يفرض تراجعاً في ملف قضائي، قد يطالب غداً بتراجع أمني أو سياسي أو سيادي آخر …، هكذا تتوسّع دائرة الاستثناءات، إلى أن يصبح الاستثناء هو القاعدة، وتتحوّل الدولة إلى سلطة شكلية لا تملك من القرار سوى اسمه …
– لا أحد يحقّ له إعادة لبنان إلى زمن ٧ أيار
الأكثر خطورة في هذا المشهد هو أنّ الحزب يتصرّف وكأنّ لبنان لم يتعلّم شيئاً من تجاربه السابقة، وكأنّ التهديد الداخلي لا يزال وسيلة مقبولة لفرض التوازنات السياسية، وكأنّ ما حصل في ٧ أيار يمكن أن يبقى نموذجاً صالحاً لتذكير الدولة بحدودها …
لكنّ لبنان ليس ملكاً لحزب، ولا لطائفة، ولا لمحور إقليمي، وليس من حقّ أيّ فريق أن يضع اللبنانيين أمام معادلة الاختيار بين الرضوخ له وبين الخوف من انفجار البلد …
لقد تغيّرت الظروف، وتبدّلت الوقائع، ودفعت البلاد أثماناً لا تُحصى بسبب الحروب التي زُجّت فيها من دون قرار وطني جامع …، وجاءت الأحداث التي تلت ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، لتؤكّد مجدّداً أنّ السلاح الذي يُرفع تحت شعار حماية لبنان لا يمنح اللبنانيين بالضرورة حماية، بل قد يجعلهم في قلب حرب لا يملكون قرارها ولا القدرة على منعها …
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصراحة هو : إلى متى سيبقى اللبنانيون مطالبين بالتكيّف مع نتائج قرارات لم يتّخذوها، والخضوع لتهديدات لم يفوّضوا أحداً بإطلاقها باسمهم ؟!؟!…
إنّ أخطر ما يمكن أن يحصل هو أن يصبح التهديد بتفجير البلد أمراً مألوفاً، وأن يتعامل المسؤولون معه كواقع يجب التكيّف معه، لا كاعتداء على سلطة الدولة يستوجب المساءلة والمحاسبة …
فإذا كان مجرّد التلويح بالتصعيد كافياً لتغيير مسار قرار حكومي، فما الذي سيمنع تكرار الأمر في ملفات أخرى؟ ومن يضمن ألّا تتحوّل كلّ قضية تمسّ نفوذ الحزب إلى أزمة سياسية مفتوحة، تنتهي دائماً بتراجع الدولة حفاظاً على ما يسمّى الاستقرار ؟!؟!…
الاستقرار الذي يُشترى من كرامة الدولة ليس استقراراً، بل هدنة مؤقّتة تحت رحمة السلاح. والسلام الذي يقوم على خوف المؤسسات من مواطنيها المسلّحين ليس سلاماً، بل استسلام مؤجّل …
– المطلوب من الحكومة موقف واضح لا يحتمل التأويل
كان أمام الحكومة خيار واضح :
أن تثبت أنّها صاحبة القرار، وأن تمضي في الإجراءات التي تراها قانونية ومناسبة في ملف ضهر البيدر، بعيداً من أيّ تهديد أو ضغط سياسي. وكان يمكنها أن تجعل من التهديد سبباً إضافياً للتأكيد أنّ القانون يُطبّق، لا سبباً للتراجع …
وكان الأجدر بها أن تتعامل مع أيّ تهديد لأمن البلاد واستقرارها بوصفه مسألة تستوجب التحقيق والمساءلة، لا أن تسمح بتحويل التهديد إلى عامل يحدّد ما تستطيع الحكومة فعله وما تعجز عنه …
فالدولة القوية لا تبحث عن المواجهة من أجل المواجهة، ولا تستفزّ أحداً لمجرّد إثبات حضورها …، لكنها، في المقابل، لا تسمح لأحد بأن يبتزّها، ولا تتراجع عن صلاحياتها تحت الضغط، ولا تقبل أن تتحوّل مؤسساتها إلى رهينة لمن يملك قدرة أكبر على التهديد …
وهنا تقع مسؤولية رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية ومجلس الوزراء بأكمله …، فالمطلوب ليس خطاباً نارياً، ولا سجالاً إعلامياً، بل موقف رسمي صريح يؤكّد أنّ أمن اللبنانيين ليس موضوع مساومة، وأنّ أيّ محاولة لفرض القرار السياسي بالقوّة ستُواجَه ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وأنّ قرارات مجلس الوزراء ليست حبراً على ورق …
كما أنّ المطلوب من الحكومة ألّا تكتفي بالدفاع عن تراجعها أو تبريره، بل أن تعيد تقييم المسار الذي أوصلها إلى هذه النتيجة، وأن توضّح للرأي العام كيف ستضمن تنفيذ قراراتها السيادية والقضائية من دون أن تتحوّل إلى رهينة للتهديدات …
أمّا الاكتفاء بالحديث عن الحكمة وتجنّب التصعيد، من دون معالجة أصل المشكلة، فلن يؤدّي إلّا إلى تكريس المعادلة التي يعاني منها لبنان منذ سنوات طويلة : كلّما رفعت الدولة رأسها، جاء من يطالبها بخفضه، وكلّما حاولت استعادة قرارها، وُضعت أمام تهديد جديد …
وهذه ليست دعوة إلى التصادم، بل دعوة إلى استعادة الدولة، وليست مطالبة بالمغامرة بأمن اللبنانيين، بل رفضٌ لأن يبقى أمنهم رهينة منطق التهديد الذي يُفترض أن تكون الدولة نفسها هي الجهة القادرة على ردعه …
– مَن يتراجع اليوم، يُبتزّ غداً
ما حصل في ملف ضهر البيدر يجب ألّا يمرّ كأنّه تفصيل عابر في الحياة السياسية اللبنانية …، إنّه امتحان لصدقية الحكومة، ولمعنى القرارات السيادية التي اتّخذتها، ولمدى استعدادها لتحويل خطاب حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم إلى واقع ملموس …
فإذا كان التراجع قد حصل فعلاً تحت ضغط التهديد، فإنّ الرسالة التي وصلت إلى الحزب وإلى سائر اللبنانيين هي أنّ التصعيد قد يكون أكثر فاعلية من القانون، وأنّ رفع السقف قد يدفع الدولة إلى إعادة النظر في قراراتها …
وهذه رسالة بالغة الخطورة، لأنّها لا تضعف الحكومة وحدها، بل تضعف فكرة الدولة نفسها، وتضرب ثقة المواطن بمؤسساته، وتعيد فتح الباب أمام كلّ من يعتقد أنّ القوّة هي الطريق الأقصر إلى فرض الإرادة …
من هنا، فإنّ الاعتراض الذي عبّرت عنه «القوات اللبنانية» لا يجوز اختزاله في خلاف داخل الحكومة، ولا في سجال بين حزب ورئيس حكومة. المسألة أعمق بكثير : إنّها تتعلّق بهوية لبنان، وبحقّ اللبنانيين في العيش داخل دولة واحدة، لا تحت سلطتين، ولا ضمن معادلتين، ولا وفق قانون يطبَّق على الضعيف ويُعلَّق أمام القوي …
إمّا أن تكون الدولة هي المرجعية الوحيدة، وإمّا أن نعترف بأنّ هناك من يملك القدرة على تعطيلها كلّما تعارض قرارها مع مصالحه …، أمّا الجمع بين سيادة الدولة والخضوع لتهديد السلاح، فهو تناقض لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية …
لقد آن الأوان كي تفهم الحكومة أنّ تجنّب المواجهة مع أصحاب السلاح لا يعني بالضرورة حماية لبنان، وأنّ التراجع أمام التهديد لا يطفئ النار، بل يمنح من يشعلها ثقة أكبر بقدرته على التحكّم بها …
الدولة لا تستعيد هيبتها عندما يتوقّف الآخرون عن تهديدها، بل عندما يعرف الجميع أنّ تهديدها لن يجبرها على التراجع …
ولذلك، فإنّ السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً أمام كلّ مسؤول، وأمام كلّ لبناني يؤمن بالدولة، هو الآتي :
مَن يحكم لبنان فعلياً ؟!؟!… الحكومة التي تتّخذ القرارات باسم الدستور، أم الحزب الذي يستطيع، بالتهديد، أن يفرض عليها حدود تنفيذها ؟!؟!…
إلى أن تكون الإجابة واضحة بالفعل لا بالشعارات، ستبقى السيادة ناقصة، وستبقى قرارات الدولة موضع اختبار، وسيبقى اللبنانيون يدفعون ثمن دولة يُطلب منها أن تكون قويّة في خطابها، وحذرة إلى حدّ العجز عندما يحين وقت التنفيذ …
وهذا تحديداً ما يجب أن ينتهي …
لا دولة تحت التهديد، ولا سيادة بالاستنساب، ولا استقرار على حساب القانون، لبنان يحتاج إلى دولة تحكم، لا إلى دولة تستأذن …
اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?