على وقع الانتصارات !!!… إسرائيل تنتخب، ولبنان يُمدّد … فأين الانتصار ؟!؟!…

إنّه انتصارٌ إلهيّ جديد لـ «الحزب» !!!…، هكذا، على الأرجح، سيقرأ بعضهم المشهد، وسيجدون في كلّ حدثٍ ما يبرّر روايتهم عن انتصارات لا تنتهي، حتى لو كانت الوقائع نفسها تطرح أسئلةً لا يستطيع أيّ خطابٍ تعبويّ أن يُسكتها …
إسرائيل، التي وُصفت مراراً بأنّها «أوهن من بيت العنكبوت»، والتي قيل إنّها أُنهكت بعد السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣، وإنّها تخشى الحروب الطويلة، وإنّ السيّد حسن نصرالله أوقفها بحرب اسناده «ع إجر ونص»، تستعدّ للاستحقاقات الديمقراطية وتخوض معاركها السياسية وفق آليات مؤسساتها …، أمّا لبنان، الذي قيل لنا إنّه يحقّق الانتصارات تلو الانتصارات، فلا يزال أسير أزمةٍ دستورية وسياسية، يتخبّط في تمديد ولاية مجلس النواب، فيما يُفترض أن تكون الانتخابات مناسبةً لمحاسبة المسؤولين وتجديد الشرعيات …
هنا جوهر المفارقة :
دولةٌ تواجه أزماتها عبر مؤسساتها، وبلدٌ يُفترض أن تكون له دولة، لكنّه يجد نفسه عاجزاً عن حماية أبسط قواعد الانتظام الديمقراطي …
ولكي لا نخلط بين الوقائع والشعارات، فإنّ إجراء انتخابات في إسرائيل لا يعني أنّها لم تتكبّد خسائر، ولا أنّ مؤسساتها خالية من الأزمات، كما أنّ تأجيل الانتخابات في لبنان لا يُختزل في سبب واحد، ولا يكفي وحده للحكم على موازين القوى العسكرية …، لكنّ المقارنة تضعنا أمام سؤال سياسي جوهري : كيف يُقاس الانتصار، إذا كان البلد الذي يُقال إنّه انتصر لا يزال يدفع أثمان الحرب في أمنه واقتصاده ومؤسساته ومستقبل أبنائه ؟!؟!…
حين تتحوّل الهزيمة إلى انتصار في قاموس الشعارات
المشكلة ليست في أن يعلن «الحزب» انتصاره، فكلّ طرف في الحروب يحاول أن يقدّم روايته لجمهوره …، المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتصار شعاراً لا يخضع لأيّ محاسبة، وعندما تتحوّل الخسائر إلى تفاصيل ثانوية، والدمار إلى إنجاز، والتهجير إلى تضحية مطلوبة، وتعطيل الدولة إلى نتيجة يمكن تبريرها باسم المقاومة …
فمنذ ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، دخلت المنطقة في سلسلة من الحروب والتحوّلات الكبرى، ولم يعد ممكناً التعامل مع نتائجها وفق المعادلات التي كانت سائدة قبلها …، وقد دفعت غزة ولبنان أثماناً بشرية وعمرانية هائلة، فيما شهدت المنطقة مواجهات مباشرة وغير مباشرة بين إسرائيل وإيران وحلفائهما …
ومهما اختلفت التقييمات العسكرية والسياسية، يبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه :
ماذا كسب لبنان، تحديداً، من كلّ هذه الحروب ؟!؟!…، ماذا كسب مواطنه الذي خسر منزله، أو صاحب المؤسسة الذي خسر مصدر رزقه، أو العائلة التي وجدت نفسها مشرّدة، أو الشاب الذي بات مستقبله معلّقاً على تسوية لنزاع إقليمي ولحربٍ لم يشارك في اتخاذ قرار الحرب أو السلم فيها ؟!؟!….
هل يكفي أن يعلن طرفٌ ما أنّه انتصر كي يصبح اللبنانيون ملزمين بالاحتفال، ولو كانوا هم من دفعوا الثمن ؟!؟!…
الانتصار الذي لا يحمي الإنسان، ولا يصون الأرض، ولا يعيد بناء الدولة، ولا يمنح المواطنين أملاً بمستقبل أفضل، يحتاج إلى مراجعة جدّية، لا إلى مزيد من التصفيق …
إسرائيل تنتخب … ولبنان يمدّد لنفسه
اليوم، في ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦، يتوجّه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب الكنيست السادس والعشرين، في استحقاق يأتي بعد حرب غزة والحروب الإقليمية وتداعيات إخفاقات ٧ تشرين الأول …، والمفارقة أنّ الانتخابات تجري وسط انقسام داخلي حادّ، وأسئلة عن المسؤولية السياسية والأمنية، وصراع على مستقبل القيادة الإسرائيلية …
هذا لا يجعل إسرائيل دولة مثالية، ولا يمحو ما تسببت به حروبها من دمار ومآسٍ، ولا يعني أنّ نظامها السياسي خالٍ من الأزمات …، لكنه يطرح حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها :
إنّ المؤسسات تبقى ساحةً للصراع والمحاسبة وتداول السلطة، حتى عندما تكون الدولة في قلب المواجهة …
أمّا في لبنان، فقد صوّت مجلس النواب في ٩ آذار ٢٠٢٦ على تمديد ولايته سنتين، بما أجّل الانتخابات التي كانت مقرّرة في أيار ٢٠٢٦ إلى أيار ٢٠٢٨، وأيّد القرار ٧٦ نائباً من أصل ١٢٨ …
وليس دقيقاً القول إنّ جميع القوى السياسية كانت ترفض أيّ تأجيل للانتخابات، فالحرب والنزوح والظروف الأمنية فرضت نقاشاً جدّياً حول إمكان إجرائها في موعدها …، لكنّ الاعتراض الأساسي الذي عبّرت عنه قوى عدّة، بينها «القوات اللبنانية»، تناول تمديد الولاية لسنتين كاملتين، والمطالبة بمدة أقصر تتناسب مع الظروف الفعلية وإمكان إعادة تقييمها لاحقاً …
وهنا بيت القصيد …
حين طالبت «القوات اللبنانية» بتقصير مدة التمديد، بعد أن عارضت الصيغة التي أُقرّت، كان السؤال المنطقي :
إذا كانت الظروف الأمنية هي التي تفرض التأجيل، فلماذا تُحدَّد المدة بسنتين كاملتين، بدلاً من اعتماد أقصر مدة ممكنة ومراجعتها وفق تطوّر الأوضاع ؟!؟!…
إنّ تمديد ولاية مجلس النواب ليس تفصيلاً إدارياً، إنّه مسألة تتصل بحقّ المواطنين في اختيار ممثليهم، وبمبدأ تداول السلطة، وبحقّ الناخب في محاسبة من انتخبه …، وقد رفض المجلس الدستوري الطعون المقدّمة ضد قانون التمديد في نيسان ٢٠٢٦، مع التشديد على ضرورة تقصير التأجيل إذا سمحت الظروف بذلك …
فإذا كان ممكناً إجراء الانتخابات قبل أيار 2028، فلماذا الانتظار ؟!؟!…
وإذا كانت الظروف لا تسمح، فما المعيار الموضوعي الذي يبرّر استمرار التأجيل ؟!؟!…
هذه أسئلة دستورية وسياسية مشروعة، وليست ترفاً ولا مناورة …
«القوات» تسأل : لماذا كلّ هذا التمديد ؟!؟!…
حين تقول «القوات اللبنانية» إنّ التمديد يجب أن يكون أقصر، فالمطلوب من القوى السياسية أن تناقش مضمون الاقتراح، لا أن تتعامل معه بمنطق : «ليك وين بالك !!!…».
أين يكون بال المواطن، إذا لم يكن في موعد الانتخابات ؟!؟!…
وأين يكون بال النائب، إذا لم يكن في احترام المهل الدستورية ؟!؟!…
وأين يكون بال الدولة، إذا لم يكن في استعادة المؤسسات لعملها الطبيعي، وفي منع الظروف الاستثنائية من التحوّل إلى قاعدة دائمة ؟!؟!…
لا يمكن أن نقول للناس إنّ الدولة يجب أن تستعيد قرار الحرب والسلم، ثم نقبل في الوقت نفسه بأن يصبح تجديد الشرعية الشعبية مؤجّلاً إلى أجل بعيد، من دون مراجعة جدّية للضرورة والمدة …
ولا يجوز أن نطالب اللبنانيين بتحمّل تبعات قرارات مصيرية، ثم نؤجّل حقّهم في محاسبة الذين اتخذوا تلك القرارات …
الديمقراطية ليست مناسبةً نحتفل بها عندما تناسبنا، ونعلّقها عندما تصبح نتائجها غير مضمونة …
وإذا كانت الحرب تفرض تأجيلاً اضطرارياً، فلتكن الضرورة محدّدة، والمدة متناسبة، والمراجعة مستمرة، والعودة إلى صناديق الاقتراع أولوية معلنة لا وعداً مؤجّلاً …
من يملك قرار الحرب، ومن يدفع الفاتورة ؟!؟!…
المسألة الأعمق لا تتعلّق بموعد الانتخابات وحده، بل بالسؤال الذي يسبق كلّ استحقاق : من يقرّر مصير لبنان ؟!؟!…
هل يستطيع لبنان أن يبني دولةً مستقرة إذا ظلّ قرار الحرب والسلم موضع نزاع، وإذا كانت حسابات المحاور الإقليمية تتقدّم أحياناً على حسابات المصلحة اللبنانية ؟!؟!…
وهل يمكن أن نطالب العالم بمساعدة لبنان وإعادة إعمار ما تهدّم، بينما يبقى السؤال عن مرجعية القرار السيادي موضع انقسام داخلي ؟!؟!…
هذه ليست دعوة إلى تجاهل التهديدات الإسرائيلية، ولا إلى إنكار حقّ اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم …، بل هي دعوة إلى التمييز بين حقّ الدولة في حماية مواطنيها وبين تحويل قرار الحرب إلى قضية تتجاوز مؤسساتها الدستورية …
إنّ الدولة القادرة ليست تلك التي تملك خطاباً أعلى صوتاً، بل تلك التي تستطيع حماية حدودها، واتخاذ قراراتها، وإخضاع السلاح والقرارات العسكرية لمرجعيتها الشرعية، ومحاسبة المسؤولين، وإعادة إعمار ما تدمّر …
ومن هنا، فإنّ النقاش حول سلاح «حزب الله» لا يمكن اختزاله في شعارات التخوين أو في تبادل الاتهامات …، إنّه نقاش حول السيادة، ومخاطر الحرب، ومسؤولية الدولة، وحقوق اللبنانيين جميعاً في ألّا يُفرض عليهم مصير لا يملكون قرار المشاركة فيه …
ونعمة الانتصارات !!!…
يا لنعمة الانتصارات التي يُراد لها أن تكتمل في الخطابات، فيما لا تزال الأسئلة مفتوحة في الواقع !!!…
إسرائيل تنتخب، ولبنان ينتظر …، هناك صندوق اقتراع يضع السلطة أمام امتحان المحاسبة، وهنا تمديد يطرح امتحاناً على معنى الشرعية الشعبية …
هناك مجتمع يخوض صراعاً سياسياً حول قيادته ومستقبله، وهنا مواطنون يسألون متى يستعيدون حقّهم في اختيار ممثليهم، ومتى تصبح الدولة المرجعية الوحيدة في القرارات المصيرية …
لكنّ الإنصاف يقتضي أن نقول إنّ الانتخابات وحدها لا تثبت انتصار دولة، كما أنّ التمديد وحده لا يثبت انتصار خصمها …، المعيار الحقيقي هو قدرة المؤسسات على العمل، وحقوق المواطنين، واحترام القانون، ومحاسبة المسؤولين عن القرارات ونتائجها …
فلا إسرائيل أصبحت منيعةً لمجرّد أنّها تنتخب، ولا لبنان خسر كلّ شيء لمجرّد أنّه أجّل انتخاباته …، لكنّ الفارق الذي يستحقّ النقاش هو أنّ الانتخابات تتيح للناس محاسبة حكّامهم، فيما التمديد يحرمهم، ولو مؤقتاً، من هذه الفرصة …
والأخطر أن يتحوّل التأجيل من إجراء استثنائي إلى ثقافة سياسية، وأن يصبح المواطن آخر من يُسأل عن رأيه في مستقبل بلده …
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الاحتفالات اللفظية، بل إلى إجابات واضحة :
متى تنتهي الحرب ؟!؟!…
متى تنفذ قرارات حصرية السلاح ؟!؟!…
من يقرّر الحرب والسلم ؟!؟!…
من يتحمّل مسؤولية الخسائر ؟!؟!…
متى تبدأ إعادة الإعمار ؟!؟!…
ومتى يعود اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع ليقولوا كلمتهم ؟!؟!…
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تسبق كلّ إعلان عن انتصار، وأن تلاحق كلّ مسؤول، وأن تبقى في صلب أيّ تسوية سياسية …
فالانتصار ليس أن تقنع جمهورك بأنّك انتصرت، بل أن تستطيع إقناع المواطن بأنّ حياته أصبحت أكثر أمناً، ودولته أكثر سيادة، ومستقبله أكثر استقراراً …
أمّا إذا كان المطلوب من اللبناني أن يصفّق للانتصار، ثم يتحمّل وحده كلفة الحرب والدمار والنزوح وتعطيل المؤسسات وتأجيل الانتخابات، فله أن يسأل، بكلّ حقّ :
انتصارٌ على مَن؟ وبأيّ ثمن؟ ولصالح مَن ؟!؟!…
ونعمة الانتصارات !!!…
لكنّ لبنان لا يحتاج إلى انتصارٍ جديد في قاموس الشعارات، إنّه يحتاج إلى انتصار الدولة، وانتصار الدستور، وانتصار الإنسان اللبناني على الخوف والعجز والارتهان …
لأنّ الوطن ليس ساحةً لتسجيل الانتصارات، والشعب ليس تفصيلاً في حسابات المنتصرين …
اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?