سلام الأقوياء…القوة ترسم خارطة الشرق الأوسط الجديد (1)

المسيرة – في لحظة بدت كأنها أقرب إلى الانفجار الشامل، استهدفت الصواريخ الإيرانية قاعدة “العديد” الأميركية في قطر. لكن هذه الضربة كتبت نهاية الحرب وليس بدايتها كما كان متوقعا. فمن بين الدخان والنار، خرجت الصيغة التي كان يسعى إليها الجميع من دون إعلان: ضربة تحفظ ماء الوجه لإيران، ومخرج مشرّف يتيح لواشنطن إعلان نهاية التصعيد، وصفقة مُحكمة تعيد ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، وتثبت أن المعادلات تُصاغ اليوم من تل أبيب… وتُوَقّع من واشنطن.

اشترك للوصول الكامل إلى التحليلات، التقارير، والمقالات الحصرية

وكما بدا واضحاً فإن الضربة الإيرانية على قاعدة العديد لم تكن ردًا موجعًا ولا عملية انتقامية، بل كانت أقرب إلى صافرة النهاية. فقد تلقت إيران سلسلة ضربات ساحقة على أراضيها، قضت على برنامجها النووي وعلى قياداتها العسكرية، شلّت منظومتها الدفاعية، وكشفت مدى هشاشتها الاستخباراتية والعسكرية. ولم تجد طهران وسيلة للرد تحفظ لها ماء الوجه أمام جمهورها، وأمام محور يتهاوى تباعًا، سوى توجيه صاروخ مدروس، نحو هدف محسوب، في توقيت مضبوط، وبنتائج صفرية من حيث الخسائر البشرية الأميركية.

وما يؤكد على الطبيعة الرمزية للضربة، أن طهران أبلغت واشنطن عبر الوسيط القطري قبل ساعات من تنفيذها، لتجنّب وقوع أية خسائر بشرية. وهذا التنسيق غير المباشر يعكس أن الضربة لم تكن تصعيدًا بقدر ما كانت جزءًا من مخرج تفاوضي مدروس، يسمح للجمهورية الإسلامية بإظهار بعض “الهيبة” أمام الداخل، من دون دفع ثمن المواجهة الشاملة مع القوة الأميركية.

إذا، الهدف واضح: إظهار القدرة على الرد، من دون تجاوز الخطوط الحمراء. فإيران تعلم أن أي تصعيد يتجاوز الرمزية يدفع واشنطن إلى ضربات حاسمة قد تطيح بالنظام نفسه. لذلك، كانت الضربة أقرب إلى “رسالة مشروطة”، تشترط معها الوساطة، وتفتح الباب لتفاوض خجول، تخرج منه طهران بجزء من كرامتها، ولو مضرّجة بالهزيمة.

أما اختيار قاعدة “العديد” في قطر فلم يكن هدفًا عبثيًا، بل قرارًا دقيقًا يعكس حسابات متشابكة، جغرافية وسياسية وأمنية. فالقاعدة تمثل أحد أهم مواقع النفوذ الأميركي في المنطقة، والأقرب اتصالًا بالملفات الإقليمية الساخنة، لكنها في الوقت ذاته تقع على أرض حليف أميركي يتقن سياسة اللعب على الحبال. فالضربة لم تكن من النوع الذي يستدعي ردًا أميركيًا شاملًا بعدما تم الإبلاغ عنها من قبل مطلقيها”، ما جعلها قابلة للاحتواء سياسيًا. والأهم، أنها جاءت في ذروة تحركات الوساطة القطرية، لتُحوّل أراضي الدولة إلى نقطة تقاطع بين نار المواجهة وقنوات التهدئة. وبهذه العملية، تكون أمّنت قطرعلى  أعلى درجات التوازن الذكي: إذ سمحت ضمنا بتمرير ضربة تحفظ ماء وجه طهران، من دون أن تُحمَّل مسؤولية التصعيد، وأبقت واشنطن في قلب التنسيق من دون أن تُظهر انحيازًا مفرطًا. بهذا التوازن، أعادت قطر تثبيت موقعها كوسيط موثوق على الساحة الدولية، واستعادت دورها كدولة صغيرة بحجمها، كبيرة بقدرتها على إدارة الملفات الكبرى. فالدوحة، التي همّشها تسارع التطبيع بين جيرانها وإسرائيل، عادت اليوم لتقول إنها لا تزال بوابة مرور أي تفاهم في الشرق الأوسط، حتى حين تكون النار مشتعلة على أطرافها.

وفيما كانت إيران تلملم تداعيات الضربات، وتُحصي خسائرها العسكرية والأمنية، كانت إسرائيل تُراكم مكاسب استراتيجية نوعية، وتُحكِم تثبيت نصرها بعيدًا من ضوضاء الشعارات. فالضربات الجوية الدقيقة التي استهدفت العمق الإيراني لم تكن مجرد رد فعل ميداني، بل إعلانًا صارخًا عن سقوط أسطورة الردع الإيراني التي صُمّمت على مدى عقود. وللمرة الأولى، تُضرب إيران في قلبها الأمني والعسكري من دون أن تتمكن من الردّ الفعلي، وتُربك أجهزتها الاستخباراتية علنًا، وتُجبر على التراجع في مشهد لا مكان فيه للمناورة.

بالتوازي، أثبتت إسرائيل تفوقها العسكري والتكنولوجي، فأسقطت القناع عن منظومة “الممانعة” بكاملها، وأعادت صياغة ميزان الردع الإقليمي، ودفعت حتى الحليف الأميركي إلى الاعتراف بواقع ميداني جديد يصعب تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. وما عمّق من وقع هذا الانكشاف، أن أذرع إيران العسكرية في المنطقة – من حزب الله إلى حماس – دخلت في حالة من الشلل الكامل، ليس فقط خوفًا من الرد الإسرائيلي، بل لأن القرار المركزي في طهران بات عاجزًا عن تحمل تبعات مغامرة إضافية قد تطيح بما تبقّى من تماسك داخلي.

هذا الصمت المطبق لم يكن مجرد لحظة تريّث، بل مؤشرًا واضحًا على تغيّر قواعد الاشتباك، وانتهاء زمن الحروب بالوكالة أو تجيير الجبهات لصالح الحسابات الإيرانية. وباتت الحركة في الجبهات الهشة، كلبنان وغزة، تعني انتحارًا سياسيًا وعسكريًا، ما جعل الشلل خيار البقاء الوحيد أمام وكلاء طهران.

في الداخل الإيراني، انعكست الضربات على صورة النظام نفسه؛ إذ تآكلت هيبته أمام جمهوره، وتحوّلت “عقيدة المقاومة” إلى عبء لا طائل منه، وسقطت الحصانة المعنوية التي طالما استند إليها المشروع الإيراني في وجدان مؤيديه.

أما إسرائيل، فقد خرجت من هذه المواجهة كمرجعية أمنية قادرة على الحسم حين تعجز السياسة عن إنتاج الرد. وأثبتت موقعها كلاعب أول في معادلة الردع، لا في مواجهة إيران فقط، بل في ترسيخ قواعد جديدة تُعاد على أساسها صياغة المشهد الإقليمي لعقود مقبلة.

وبهذا التحوّل الدراماتيكي، لم تعد ساحات الاشتباك مجرد ميادين نار، بل مساحات يُعاد فيها توزيع الأدوار، وتتغيّر فيها معاني الردع، ويُعاد رسم الخريطة السياسية للمنطقة على وقع التفوّق الإسرائيلي والانكفاء الإيراني.

                                                                – يتبع –

حكاية صورة

لم يرَ الغبار

إليك يا رب نصلي

وطن بشير

نار من نور

كان إيمانهم كبيرًا

alexandre
fiordelli1
two ways
azar
whish
fitness zone
jeita country club
iso
ghassan haddad
makmel
indevco
  • Trending
  • Comments
  • Latest

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?