المسيرة- لا تزال ترددات “الهزة” التي أحدثها تصريح المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص توم بارّاك تتفاعل بقوة وتحديدا عشية عقد الجلسة النيابية لمساءلة الحكومة والتي سيناقش فيها النواب مسألة نزع سلاح “حزب الله” وما صدر عن بارّاك. وعلى رغم التوضيح الذي عاد وأصدره إلا أن القلق تضاعف حيال حقيقة الدوافع لإصدار التصريح ومن ثم تصويبه.
ومن باب التذكير لا التكرار فإن السفير بارّاك كان حذر في حديث إلى صحيفة “ذا ناشونال” الإماراتية من أن”لبنان يواجه تهديداً وجودياً”، مضيفاً أن “إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى والآن سوريا تتجلى بسرعة كبيرة. وإذا لم يتحرك لبنان فسيعود إلى بلاد الشام”.
كلام بارّاك فعل فعله إلا في أوساط مراكز القرار في الدولة اللبنانية التي لم يصدر عنها أي موقف، واكتفت بتوضيح بارّاك الذي ورد فيه على منصة “إكس” تصريحاتي كانت إشادة بالتقدم اللافت الذي تحققه سوريا وليس تهديداً للبنان. وأشارت إلى واقع أن سوريا تتحرك بسرعة فائقة لاغتنام الفرصة التاريخية التي أتاحها الرئيس دونالد ترامب برفع العقوبات”. ومن له أذنان سامعتان فليسمع ويقرأ.
الأكيد ان كلام بارّاك وصل إلى آذان الجميع وما توقعه اللبنانيون أن يسمعوا أولا موقفًا صريحًا من السلطة اللبنانية. لكن الأخيرة اتكأت على التوضيح في حين أن المطلوب اتخاذ قرار على مستوى الوطن وهذا ما تجلى في البيان الصادر عن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي اعتبر أن تصريح بارّاك “هو برسم السلطة والحكومة اللبنانية” وقال: “إن السياسة الدولية لا تتحمل الفراغ وأي دولة تعجز عن ترتيب أوضاعها وإعادة الإنتظام لدستورها ومؤسساتها واعمالها كدولة فعلية ستكون خارج السباق وعلى هامش التاريخ. وإذا استمرت السلطة ومن خلالها الحكومة في ترددها وتباطؤ قراراتها وتثاقل خطواتها في ما يتعلق بقيام دولة فعلية في لبنان فإنها ستتحمل مسؤولية أن يعود لبنان الوطن والدولة في مهب الريح من جديد (…)
أضاف جعجع “على السلطة اللبنانية أن تحزم أمرها في أسرع ما يمكن، وأن تتخذ الخطوات العملية المطلوبة من أجل تحويل لبنان إلى دولة فعلية تشكل وحدها الضمانة للمجموعات اللبنانية كلها وإلا ستُبقي لبنان ساحة وتعرضه للإستباحة من جديد”.
وكما في الداخل كذلك في الخارج، فإن صمت الدولة على ارتدادات كلام بارّاك هز أوساط مسؤولين ودبلوماسيين لبنانيين.
السفير السابق هشام حمدان يقول ل”المسيرة”: “طالبنا وما زلنا نطالب الرئيس جوزاف عون بأن لا ينظر إلى الأمور من الواقع الداخلي وفي إطار التوزع السياسي المحلي للأحزاب في لبنان. المطلوب من السلطة اللبنانية ان تدرس بتمعّن الدور الخارجي في بناء الواقع السياسي الداخلي في لبنان. لقد دخلنا الحرب في لبنان نتيجة قرار إقليمي ودولي ولا يمكن أن نخرج من هذه الحالة إلا بقرار إقليمي ودولي. وعلى السلطة أن تتعاطى مع الشأن الوطني لبناء السيادة والإستقرار في لبنان وأن تأخذ في الاعتبار المجريات القائمة في المنطقة وليس ما يفرضه هذا الحزب في الداخل اللبناني. ومن هنا كان مطلبنا بوضع استراتيجية وطنية لإعادة بناء السلام في لبنان”.
كلام حمدان “ليس نابعا من غبار الأرض” على حد توصيفه، إنما من القرارات الصادرة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ويقول” الفرصة اليوم مفتوحة أمام رئيس الجمهورية والسلطة اللبنانية لأن يرسموا استراتيجية وطنية شاملة لإخراج لبنان من حالة الحرب وإعادة السلام إلى هذا البلد بما يضمن الأمن والإستقرار لجميع مكوناته، وبما يضمن للدولة بأن تستعيد سيادتها الكاملة بمساعدة المجتمع الدولي وبذلك يخرج لبنان من حالة النزاعات القائمة في المنطقة واستمرار بقائه أرضاً سائبة يسعى الجميع إلى تحقيق مصالحه فيها”.
وتعقيبا يحدد حمدان معالم الخطوات الوطنية الواجب اتخاذها في ظل هذه الفرصة التاريخية ويقول: “علينا ان نتعاطى مع الأصدقاء، والولايات المتحدة دولة صديقة والرئيس دونالد ترامب يحب اللبنانيين ويرغب بمساعدة لبنان. لكن علينا أن نساعد أنفسنا أولاً”.
ويكرر مطلبه بضرورة وضع استراتيجية وطنية لبناء السلام، لكن علينا أولا أن نُبدِّل بأنفسنا أولا. أقول ذلك وأنبه بأن لبنان في مهب الريح ومازال حتى اليوم ساحة صراعات ويجب أن نخرج من هذه الحالة”.
واستطرادا يوضح السفير حمدان خلفيات كلام بارّاك، معتبرا أن “ما يصدر في الإعلام يعني عدة أمور. أولاً التحذير والتنبيه والتوجيه ولفت الإنتباه. وبالتالي الدعوة المبطنة إلى اتخاذ الإجراءات المسبقة كي لا يحصل هذا الأمر. ولو كانت هناك نية سيئة لكان تم ذلك تحت الطاولة وبشكل مفاجئ للبنانيين، لكن الرسالة واضحة ومفادها: حذرناكم وقلنا لكم إذا لم تفعلوا شيئا فأنتم المسؤولون وستتحملون المسؤولية عما سيجري لاحقا. هذا الكلام هو في الواقع لاتخاذ القرار الوطني كي لا يحصل مثل هذا الأمر. لكن أين نحن من هذا الواقع؟ وبالتالي لا يمكن أن نلوم الآخرين. علينا ان ندرك أن هدف سوريا في لبنان واحد: القضاء على الدور الإيراني. وعلى الشيعة أن يدركوا أن لا قوة لهم ولا مكان لهم إلا بدعم الدولة والجيش اللبناني وعلى الآخرين أن يدعموا الدولة والجيش اللبناني وأن يمنحوا الشيعة الأمان والشعور بأنهم جزء من هذا الوطن وأننا متضامنون معهم في هذا الصدد.
وتعليقا على ” تباطؤ السلطة في تنفيذ قرار نزع سلاح “حزب الله” يستطرد السفير حمدان “هذا الكلام غير مقبول ولا يجوز أن يصدر عن الرجل المسؤول عن الأمن والسلام والسيادة في لبنان. هناك دستور، وعلى من أقسم على حماية الدستور أن يمنع وجود سلاح غير شرعي خارج الدولة، والجيش اللبناني قادر على نزع السلاح من الميليشيات وفق قرارات الأمم المتحدة. المهم أن تقرر الدولة فعلا أنها تريد ان تُخرج لبنان من هذه الحالة وأن تقدم مشروعا بديلا يطمئن كافة اللبنانيين بالنسبة إلى مستقبلهم” .
“لبنان على مفترق طرق”. كلام يختصر كل الهواجس والمطلوب استراتيجية وطنية ومشروع وطني يحضن الجميع في إطار الدستور والنظام الوطني وفي إطار ما يحمي السيادة والقانون وبقاء الوطن وإعادته إلى تاريخه وجغرافيته قبل فوات الأوان”.























