هي آية الفصل وساحة المواجهة، منهما عبرَ يسوع النَّاصري درب الوصول إلى أكثر إلتزامات المحبَّة شقاءً وشفاءَ. صليبه لم يكن هو أثقل الأوزان، إرتفاع جلجلته لم يكن هو أعلى المقاييس، وليست المسامير هي من ثبَّتَت مواثيق نبؤات الفداء العظيم. يسوع المولود ذات ليلة غربةٍ وصقيع داخل إحدى حظائر ضواحي بيت لحم قد تمَّم عهد ولادته العظمى الدائمة حتى أبد الدهر طيَّ مهدٍ مصقول المزود على طول أسطر ألياذةٍ مسيحانيَّة ذات إعجاز يفوق الوصف والإحتمال لا يتجاسر على فهم مضمونها وتفهُّم نتائجها إلاَّ قِلَّة مختارة لتلبيَّة رغبة هي الأغلى والأقسى والأوجع بين أمنيات القائل: «ليس من حبٍ أعظم من أن يبذل المحبُّ ذاته عن أحبائه”. وكيف إن كان حبُّه المذهل يتَّسع عمقًا وعلوًا لمحبِّيه ومبغضيه معًا!!
26 تموز 2005 ـ 26 تموز 2025
عشرون سنة مضت على اليوم الأخير من آلاف أيام أمضيتها حبيسًا داخل محبسةٍ أعادت في ذلك الزمن الداجي وصل ما انقطع بين الأرزة واليرزة.. وعلى مدى هذه الأعوام العشرين مضى أولئكَ المأمورون بالقضاء على قدسية القضاء كي يمتثلوا في حضرة القاضي الأعلى الأقدس متلبِّسين بكل ما ارتكبوه.. كما مضى شهود الزور يبحثون عن بقايا ضمائرهم في مطامر الضَّمائر الفاطسة..
رفيقنا الحكيم
يوم 26 تموز 2005 كان لأهلك ورفاقك وبشرَّاك ولبنانك يومًا من أفراح أيام أعياد البشارة، وأنت لم تنظر إلى رفاقك أجمعين إلاَّ أنهم من صُلبِ عائلتك وأهلكَ وربعكَ وأوَّلهم الذين رافقوك منذ 13 نيسان 1975 باستثناء قلَّة قليلة أصيبت بعدوى قبلة يهوَّذا وعددها المجازي لا يتجاوز دراهم الفضَّة الثلاثين..
دخلت يا حكيم العهد والنذر والعمر سجنك الصَّغير وهو الوحيد الذي أخرجنا من سجننا الكبير دون سواه.. لكنَّ كثيرًا وعديدًا غفيرًا من رفاق وأنا الأخير بينهم أفعالاً ووزنات حتى لو كنت متقدِّمًا عليهم سِنًا وعمرًا، نحن مجموعة رفاقية يتحكَّم في باطننا الواعي جدًا شوق وحنين إلى ذات 26 تموز نسجنك فيه روحيًا وجدانيًا رهبانيًا وحتَّى عاطفيًا داخل حصن دير مار شليطا القطّارة فاتيكاننا وصرحنا وأبرشيتنا ورعيتنا. في هذا الفوق الرهباني الجبيلي قد تعلَّمت يا حكيم على يد المعلم الحرديني قديس كفيفان أصول تفوير الأبطال والبطولات والرجال والرجولات كما الشَّاطر الملفان نعمة الله فوَّر صندوق القمح وخوابي الزيت دعمًا عجائبيًا لمونة إخوته جمهور رهبان وفعلة دير القطارة. مَن مثلك ومثل رفاقك القطَّاريين فوَّر زوّادة الزَّود عن مونة الكرامة والسيادة والحرية وأنتم الذين تقدَّمتم وأقتبلتم نذور وبدلات وزنانير رهبان الأساكيم الزيتية ونداء الحرديني مترهِّبٌ في مسامعكم ليل نهار: «الشّاطر يخلِّص لبنان»!!


رفيق رفاق الدم والقلب والدَّرب
ما قبل 26 تموز 2005 وما بعد 26 تموز 2025 تتسابق فينا أسئلة مشوِّقة وشاقّة لا أحد غيرك يمتلك صواب الإجابة عنها، وكم نشتغل على عقولنا وذاكراتنا وألسنتنا وفهم راهننا كي لا تكون أسئلتنا لك أشبه بالرصاص العشوائي الطّائش وليس مثل العشوائية الفكرية والطيش الكلامي ما يلحق الأذى والإصابات في القضايا المصيرية والمحن الداهمة، وأنتَ طوال عمر جنديتك وقيادتك الزيتية لم تُطلق رصاصة واحدة إلاَّ وهدفها الأول والأخير حفظ رأس وطنك وأهلك وشعبك وأرض أجدادنا كما أجدادك!
أهم الأهمِّ وهمُّ الهموم يا حكيم هي أسئلة تنزل علينا كالبرق الذي صيَّر شاول بولس، مصدرها خمسة عشرة ألف طوباوي هم إخوتنا ورفاقنا الغاسلين حللهم الأرزية السماوية بدم حمل الله الحامل خطايا العالم كما أنت باسم هؤلاء الخمسة عشرة ألف حملت وتحمَّلت دينونة مئاتٍ من أراكين العالم السفلي والأسفل. أسئلتهم الأحق من المحقِّة تنزل علينا يوميًا كلوح الوصايا وليس علينا إلا الإعتراف لهم بالمميت من خطايانا والعرضي من أخطائنا، وإنَّ أخطر أسئلتنا تحثُّنا وتهيب بنا للمبادرة إلى خلوة تأمُّلات مصيرية تتجانس فيها مصارحة الذات مع صدق الإستنتاج وصفاوة الرؤيا وصلاة العقل ورجاحة المنطق وجرأة في إعلاننا الخلاصة الجوهرية :أليس بأفضال برلمان بلاَّ 15 نوّار 1977 وبرلمان قنات 10 شباط 1980 وبرلمان صنين ـ زحلة 3 نيسان 1981، وسائر برلمانات جرود العاقورة وشير الحرية جرد تنورين ودير بلاّ وتلَّة سيدة شناطا ومربض حلتا إمتدادًا إلى برلمانات عيون السيمان ورجوم العاصية الكحالة والتَّعداد لا يتوقف.. وأليس بجدارة ربوات نوابنا الخمسة عشر ألف نواب برلماننا اللبناني السماوي قد وصلنا إلى برلمان ساحة النجمة بنواب ذات فروسيَّة علميّة حقوقية تشريعية عمرانية مناقبيَّة أخلاقية، رفيقات ورفاق يصرّون بالفعل والقول والمثال لأن تكون النمرة الزرقاء مِن قدَر وقيمة 15 ألف نمرة من لون أقدس وأنبل وأنقى الدِّماء!!
حكيم
قبل غروب يوم 21 نيسان 1994 وذلك المساء المضرَّج بدماء رجالٍ أشدّاء يخبطون رؤوسهم وجباههم بجدران مقر قيادة غدراس الشاهد يومها على عملية إنزال أين منها أنزال النورماندي وبيرل هاربر.. أمسية كانت من أمسيات الجمعة العظيمة. والدك الفريد بين الآباء وأمك مريم الأمهات وأميرة القلب الذهبي وخاتم الوفاء حتى ما بعد العمر، ثلاثتهم كانوا عند أقدام صليب يمتد من لبنان حتى أصقاع شرق الرب المصلوب. ثلاثتهم جابروا مريم أم يسوع وكم هي جابرتهم ذات الحضن الأمومي الممتلئ بغابة جراح الوحيد المُنزَل عن صَلبه..
ويوم 26 تموز 2005 لم يكن إلاَّ يوم مريمات قريبات لبنانيات يُسرعن المسير نحو سبت النور والطيوب وتلاويح فجر أجراس القيامة. مريمات وتلاميذ رفاق يسألون عن حقيقة تدحرج الحجر وحفر جبل الإحتلال الأسود بزردات مسبحة بطريرك قديس وأهلٌ طيلة إحدى عشرة سنة كانوا في عظيم الصَّبر وجبروت الصمود، هم أهلك ربع مدينة العواصف والأرواح المتمرّدة، جميعهم يتلون قانون إيمان كتبت أنتَ نصَّه كتابةً إستغرقت نيِّف وإحدى عشرة سنة بنيت فيها قلعة إيمانِكَ القاديشي ورجاءك العظيم كي نتلو وإيّاك: “نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل لا يصحُّ معه إلاَّ الصَّحيح»!!!
























