المسيرة- في بلدٍ ينهار تحت الضغوط الاقتصادية والديبلوماسية والإنقسام الداخلي، يتقدم حزب الله كأكبر معوّق لبناء الدولة اللبنانية، بل كعنصر تهديم ممنهج لكيانها.
لم يعد الحزب كما سوّقت ماكنته الدعائية في نظر أغلبية اللبنانيين فصيلاً مقاوماً ولا حتى طرفاً لبنانياً صرفاً، بل تحوّل إلى ما يشبه “الفيل الأبيض” الإيراني: ضخم، مكلِف، معطِّل، ولا يخدم سوى أجندة إيرانية تدمّر لبنان من الداخل.
ولد حزب الله من حركتين أساسيتين حصلتا في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي: أولاً، نجاح الثورة الإسلامية الخمينية في إيران وتخطيط آية الله الخميني لتصدير الثورة، وثانياً، الإجتياح الإسرائيلي للجنوب ووصوله إلى بيروت. هذان العاملان ساهما في ولادة وتطوّر “حزب الله” الذي نشأ في الظاهر كمقاومة إسلامية للإحتلال الإسرائيلي وفي الباطن كخلية إيرانية تعمل ضمن مشروع تصدير الثورة الإيرانية. وقد عبّر يومها السيد حسن نصرالله في الثمانينات من القرن الماضي لدى سؤاله: ما شكل النظام الذي يريده “حزب الله” في لبنان؟! فأجاب: “مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى، التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق، الولي الفقيه الإمام الخميني. هذه العلاقة أيها الإخوة بالنسبة لنا، فأنا واحد من الذين يعملون في مسيرة “حزب الله”، وفي أجهزته العاملة، لا أبقى لحظة واحدة في أجهزته لو لم يكن لديّ يقين قاطع بأن هذه الأجهزة تتصل عبر مراتب إلى الولي الفقيه القائد المبرئ لذمة الملزم قراره… بالنسبة لنا هذا أمر مقطوع ومُطمأن به”. هذا التصريح وغيره عشرات التصريحات لمسؤولين في “حزب الله” وإيران يرفعون أي لبس حول ارتباط “حزب الله” العضوي بإيران، ويكشف أن مصير لبنان مرهون بأجندات خارجية لا تبالي بالدمار الذي يلحق بلبنان.
بعد الإنسحاب الإسرائيلي عام 2000، فقد “حزب الله” غطاء “المقاومة” فلجأ، بالتنسيق مع نظام بشار الأسد في سوريا، إلى اختراع شماعة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لإكمال دوره. هذا الأمر لم يكن كافياً لتغطية دوره؛ لأن أغلبية اللبنانيين باتوا يدركون أنه ذراع تنفيذية للحرس الثوري الإيراني ومشروع ولاية الفقيه، لكن بعضهم سكت لأنه مستفيد سياسياً من الوضع، والبعض الآخر خوفاً من العواقب.
بعد العام 2005، وفي كل محطة سياسية أو أمنية داخلية، أثبت الحزب أن قراره مرتهن لمصالح طهران، وأن لبنان لم يعد أكثر من “منصة” متقدّمة في صراعات إيران الإقليمية، وتحوّل إلى مصدر تهديد داخلي، سواء في 7 أيار 2008، أو في تعطيل الحكومات، أو في ترهيب القضاة والناشطين. ومع كل ذلك، استمر التواطؤ الرسمي مع هذه المعادلة، وكأن الدولة اعتادت التنازل عن سيادتها.
منذ توقيع إتفاق القاهرة عام 1969، دخل لبنان في دوامة “التنازل الرسمي” عن سيادته لصالح ميليشيات وتنظيمات مسلّحة تعمل خارج الدولة وتشاركها في القرار. استمر هذا النهج حتى بعد انتهاء الحرب وتطبيق إتفاق الطائف، مروراً بالوصاية السورية، وصولاً إلى “اتفاق الدوحة” الذي كرس الأمر الواقع لصالح “حزب الله.”
اليوم، صار واضحاً أن جوهر الأزمة اللبنانية ليس فقط اقتصادياً مرتبطاً بالفساد والهدر وسوء الإدارة، بل سيادي في العمق. ولا يمكن لأي خطة إنقاذ أن تنجح ما لم تبدأ باقتناع الدولة اللبنانية نفسها بأن السلاح غير الشرعي هو لبّ المشكلة، وأنه لا يجوز لأي طرف أن يشاركها في القرار الوطني.
أصبحت مناطق نفوذ الحزب نموذجاً لانهيار مفهوم الدولة، يتمثل في تهرّب ضريبي وجمركي منظم، شبكات تهريب ، وتغطية على عمليات غسيل أموال دولية. وقد حصلت هذه العمليات لعقود ليس فقط في المعابر البرية غير الشرعية، بل أيضاً داخل المرافئ والمطار، تحت غطاء “لصالح المقاومة” أو “الخط العسكري”. لقد تم استخدام هذا الغطاء لتفريغ حاويات من دون تفتيش، تهريب بضائع وسلع وسلاح، واستيراد مواد تُصرف خارج الاقتصاد الرسمي للدولة. كل ذلك أدى إلى استنزاف الخزينة، شلّ الجمارك، ضرب الإنتاج الوطني، وإفقاد لبنان ثقة المجتمع الدولي. وقد أدرجت دول كبرى الحزب على لوائح العقوبات والجرائم المالية، بسبب دوره في شبكات دولية لغسيل الأموال وتجارة المخدرات.
منذ اندلاع “حرب الإسناد” مع إسرائيل، انكشف عجز الحزب عن تحقيق أي نتائج حقيقية من شعاراته المعلنة “نحمي ونبني”. فالحرب تُدار، بقرار من طهران، بينما البلدات الجنوبية مدمّرة، والناس مشرّدون، والمزارعون محاصرون بالنار الإسرائيلية والقرار المعزول عن الدولة.
ما يُسمّى “الردع” أصبح وهماً، وإسرائيل تضرب من وما تشاء . في المقابل، تزايدت الضغوط الدولية، خصوصًا الأميركية والفرنسية، على لبنان لضبط الوضع. لكن هذه الضغوط ستبقى من دون جدوى طالما الدولة اللبنانية لا تطالب بوضوح بإعادة القرار العسكري إلى مؤسساتها الشرعية.
في معادلة “حزب الله”، كل شيء مشروع باسم “المقاومة”، حتى لو تحوّلت أغلبية الطائفة الشيعية إلى بيئة محاصَرة ومعزولة، محرومة من التنوّع السياسي والاقتصادي، وخاضعة لنموذج مغلق لا يشبهها. اللبنانيون الشيعة الذين عرفوا المدارس والعلم والتعدد، والحوار الفكري والعقائدي باتوا محاصرين بسلاحهم، محرومين من الدولة، ولا يُسمح لهم بالخروج من وصاية “حزب الله” من دون ثمن باهظ. الإنخراط في عقيدة ولاية الفقيه غيّر وجه الطائفة وعلاقتها بلبنان، وحوّلها من شريكة في بناء الدولة إلى أداة في مشروع إقليمي لا يخدمها.
الإنقاذ يبدأ من لحظة اقتناع اللبنانيين، خصوصا أصحاب القرار في الدولة اللبنانية، بأن:
١- السلاح خارج الدولة لم يعد مقبولاً تحت أي شعار.
٢-التهرّب الضريبي والجمركي وتبييض الأموال هو عدوان على الوطن لا يمكن التساهل معه.
٣- القرار اللبناني يجب أن يعود بالكامل إلى بيروت.
٤-الدولة هي صاحبة الحق الحصري بالدفاع عن لبنان، كما في كل دول العالم.
٥-كل إصلاح اقتصادي ومالي، وكل اتفاق مع صندوق النقد أو دول الخليج، سيبقى حبراً على ورق إذا لم يسبقه إصلاح سياسي جذري يعيد ترتيب السلطة على قاعدة: لا شريك للدولة في السيادة بعد اليوم.
“حزب الله” ليس فقط عبئاً أمنياً، بل هو في جوهره “فيل أبيض” إيراني يلتهم مقدّرات لبنان، ويمنع قيام الدولة. وما لم تُكسر هذه المعادلة من الداخل، بإرادة وطنية شجاعة، فإن أي دعم دولي، أو خطة إصلاح، ستكون كسراب الصحراء.























