المسيرة – في بلد مثل لبنان، حيث التنوع الطائفي والديني والثقافي يشكل ثروة فريدة لكنه في الوقت نفسه يشكل مصدر انقسام وتوتر، يبدو من الضروري إستحضار مفاهيم فلسفية تساعد على إعادة صياغة العلاقات بين مكوناته الحضارية.
ومع تعثر الدولة الدائم منذ الاستقلال حتى اليوم وفشل العقد الاجتماعي في خلق مساحة للحوار وبناء الثقة لإنتاج نظام سياسي منتج وفعّال، تبرز “فلسفة القنفذ” أو “معضلة القنفذ” كنظرية قد تلقي الضوء على كيفية تقارب اللبنانيين دون أن يؤذي بعضهم البعض.
معضلة القنفذ او البحث عن المسافة المثلى ،هي نظرية فلسفية طرحها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، تصف التوتر الموجود في العلاقات الإنسانية بين الحاجة إلى القرب والعاطفة والخوف من الأذى المتبادل. يضرب شوبنهاور مثلًا بالقنافذ في الشتاء: عندما يشتد البرد، تقترب من بعضها لتتدفأ، ولكن عندما تقترب كثيرًا، تؤذي بعضها بأشواكها، فتبتعد مجددًا. ثم تدفعها الحاجة إلى الدفء للتقارب مرة أخرى، وهكذا تستمر في البحث عن “المسافة المثلى” التي تضمن لها الدفء دون ألم.
يتطابق هذا التصور بشكل عميق مع الواقع اللبناني. فمكونات المجتمع اللبناني، على إختلاف طوائفها وانتماءاتها، لا تستطيع العيش بمعزل عن بعضها البعض في بلد صغير جغرافيًا ومترابط اقتصاديًا واجتماعيًا. وفي الوقت ذاته، تخشى من هيمنة “الآخر” وتتمسك بهوياتها الثقافية والدينية والاجتماعية خشية الذوبان أو التهميش.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن القرب الشديد وفرض الاندماج القسري أو الغلبة السياسية يولد التوتر والانفجار الداخلي. كما أن الانفصال الكامل يؤدي إلى البرودة الوطنية وتفكك الدولة. بالتالي، يكمن التحدي في إيجاد تلك “المسافة الآمنة” التي تتيح لمكونات المجتمع اللبناني التلاقي والتعاون، دون أن يشعر أي طرف بالتهديد أو الإلغاء.
لم يعد الخطاب الوحدوي الخشبي المجرد كافيًا لتغطية المشاكل المزمنة. فالمطلوب ليس تكرار الشعارات عن “الوحدة الوطنية” أو “العيش المشترك”، بل البحث عن كيفية تنظيم هذه العلاقة الشائكة. بعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى صيغة “للعيش معا” مبنية على الإحترام المتبادل، وضبط المسافات، والتوازن في الحقوق والواجبات.
لو طبقنا فلسفة القنفذ على النظام اللبناني، لكان علينا إعادة التفكير في صيغة الحكم والتمثيل السياسي، بما يضمن مشاركة الجميع دون أن يتمكن أحد من إيذاء الآخرين بـ”أشواك” هيمنته. قد يكون الحل في نظام لامركزي موسع، أو غيره من الأنظمة التي تضمن لكل مجموعة شعورًا بالأمان والراحة. هذا الشعور بالأمان من شأنه أن يساعد على التفاهم والتعاون بحرية واقتناع من أجل الوصول إلى حالة من الاستقرار والازدهار، ضمن سقف الدولة الواحدة.
في النهاية، فلسفة القنفذ لا تدعو إلى الابتعاد الكامل ولا إلى الانصهار التام، بل إلى الحكمة في إدارة المسافة. وربما يكون هذا هو ما يحتاجه لبنان أكثر من أي وقت مضى: فن التعايش في ظل الاختلاف، لا قسرًا ولا عزلة، بل عبر الاعتراف المتبادل بأننا بحاجة لبعضنا، ولكننا بحاجة أيضًا إلى حماية أنفسنا من “أشواك” بعضنا البعض. فهل يمكن للبنان أن يجد تلك المسافة المثلى التي تحقق له الدفء والأمان؟























