المسيرة- مع بزوغ فجر أيلول، تتفتّح أزهار الشهادة على ضفاف نهر الخلود، ويهمس الوطن في قلوب أبنائه قصص البطولة والمجد. هذه قصص رجال ونساء عبروا بالدم والرجولة من حدود الواقع إلى عالم الأساطير، فارتقوا على دروب النضال ليشرقوا نوراً يضيء الظلمات، وظلالاً ترفرف في أعماق وجدان لبنان.
راحوا؟…لأ ما راحوا! بل تحوّلوا إلى رموز خالدة في ذاكرة الأجيال. لم يموتوا، بل أصبحوا روح الحياة في كل صخرة من جبال المجد، في كل حبة من تراب العز، في جمال كل أقحوانة وصلابة كل سنديانة وخضار كل زيتونة وشموخ كل أرزة.
صدى صوت بطولاتهم يتردد في كل ترنيمة روحية تناجي الخالق، في كل رنين جرس يدعو الناس للصلاة، في صوت الناي الساحر بين الوديان، وفي صوت كل موجة تغمر شواطئ لبنان.
الشهادة هي نبض حي ينسج خيوط عشق بين الوطن والحرية تضيء شعلة الأمل التي لا تنطفئ مهما عصفت رياح الليالي الظالمة. شهداؤنا لم يغادروا الحياة بل تعمّقوا في جوهرها، فاختاروا أن يجعلوا من أعمارهم جسوراً من نور تمتدّ نحو أفق الحرية. قدّموا دماءهم قرابين عهد أبديّ أمام الله والشعب، كأنهم رُسُلٌ مختارون لحراسة أرز الرب و”وقف الله” وأرض القديسين. أعلنوا بملء الإيمان أن الكرامة والحرية أثمن من العمر الفاني، وأن الأوطان لا تُصان إلّا بالتضحية والفداء، ولا تزدهر الأرض إلّا حين تتقدّس بدماء عشاق الحرية الذين جعلوا من استشهادهم صلاةً أبدية ترتفع في سماء لبنان.
كل قطرة دمٍ سالت من أجسادهم الطاهرة رسمت على تراب الوطن أيقونة وفاء وحب. وكل صرخة أم ثكلى على غياب شهيد جسّدت صيحات البطاركة العظام : “فدى لبنان”.
كيف يمكن أن ننسى شهداءنا ونحن الذين تربّينا على أناشيد البطولة والمجد ورددنا مع الرئيس الشهيد بشير الجميّل: “لبنان ليس مجرد وطن، لبنان هو قضية، ومن يضحّي بحياته من أجله يكتب اسمه في صفحات الخلود”
كيف يمكن أن ننسى شهداءنا، والبطاركة الأوائل، من المؤسس يوحنا مارون والبطاركة الشهداء دانيال الحدشيتي وجبرائيل حجولا والقديس اسطفان الدويهي، وصولاً إلى المكرّم الياس الحويّك وأبو الفقراء أنطون عريضة وبطريرك الاستقلال الثاني نصرالله صفير، كانوا مرشدين للمقاومين وحراساً للإيمان والهوية. لم يكن الإيمان بالنسبة لهم مجرد شعائر، بل قوة محركة للمقاومة، وسنداً روحياً لكل من وقف في وجه الظلم. لقد علّمونا أن التضحية ليست موتاً، بل حياة جديدة للأرض، تتجدّد في كل قلب يتشبّث بالحرية.
كيف يمكن أن ننسى شهداءنا، وقد علّمنا الفيلسوف شارل مالك أن “الحرية ليست هبة، بل واجب؛ ولحمايتها على الإنسان أن يقدّم كل شيء، حتى حياته، فبدون التضحية لا وجود للوطن”. هذه الكلمات لم تكن مجرّد شعارات، بل شعلة أضاءت طريق كل من اختار المقاومة نهجاً والشهادة قدراً. بدمائهم الطاهرة شُيّدت جسورٌ بين الماضي والحاضر، لتعلّم الأجيال أن لبنان ليس أرضاً تُقاس بالحدود، بل روحاً عصيّة على الانكسار. دماء الشهداء صارت جذوراً ضاربة في عمق الأرض، كالأرز والسنديان، لا تقتلعها عواصف ولا تطالها يد غريبة، بل تبقى حارسةً للكرامة، شاهدةً على أن التضحية هي السبيل الوحيد لصون الحرية والوطن.
كيف يمكن أن ننسى شهداءنا، ورئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، لا يترك مناسبة الا ويذكّرنا بأن “كل قطرة دم سُفكت من أجل لبنان هي حجر أساس في بناء وطن الحرية والكرامة، ومن ينسى شهداءه لا يستطيع بناء المستقبل”. فالشهادة ليست مجرد حدث عابر، بل هي فعل إيمان واعتراف بالحق، وتجذّر في الأرض حتى النفس الأخير. هي وصية حيّة للأجيال، تقول إن الحرية أثمن من العمر، وإن التضحية لا تعني النهاية، بل ولادة جديدة في ضمير الوطن ووجدان الأجيال القادمة. إن دماء الشهداء تنسج خيوط الأمل ،لتبقى راية القيم مرفوعة، ويظل لبنان أرض الكرامة والحرية.
عشية أيلول، حين نرفع أكاليل الغار على قبور الشهداء، نشعر بأن دماءهم ما زالت تسري في عروقنا، وأن صمت القبور ليس نهاية الحكاية، بل صدى لدعواتهم ومازال يهمس لنا: أن لبنان لم يُبنَ على الخرائط ، بل رُسِم بدماء الشهادة والإيمان العميق بقدسية بالأرض.
في كل عام يخبرنا أيلول أن دماء الشهداء هي التي زرعت فينا معنى الشجاعة والوفاء، وحوّلت الخوف إلى عزيمة، واليأس إلى أمل. فبات كل قلب ينبض بالإيمان، وكل روح مستعدة للتضحية، هي شهادة حية بأن لبنان سيبقى حيّاً، شامخاً، حراً الى أبد الآبدين.
في كل عام، يكتب أيلول أسماءهم على جبين الوطن، ويزرع الوفاء ورود الحب وغار المجد على قبورهم، ونردّد جميعا بصوت واحد: “أنتم لبنان الذي لا يموت.”























