المسيرة- كان همي الكبير في الحياة بناء عائلة تقية تسير على تعاليم المسيح والكنيسة.
كنت أسكن مع زوجي وابنتنا الصغيرة في منزل متواضع في بشري…وصيفا كنا ننتقل إلى الأرز (شاغورة)، حيث الزرع والحصاد.
كانت سعادتي تنبع من سعادة زوجي وابتسامة صغيرتي، وكنا ننتظر نهار الأحد لنحصل على بعض الراحة ونذهب لزيارة الكنيسة لملاقاة الله ويسوع والعذراء مريم. حياتنا كانت شبه روتينية ويتخللها بعض الملل. لكننا كنا سعداء بما رسمته لنا الحياة.
بقينا على هذا الحال، إلى أن دخل إلى وطننا الغول الكبير… الحرب. لم يترك منزلا إلا وزاره. وأصبحنا حالة دائمة في استقبال نعوش الشهداء الأبطال، ولبس الأسود والذهاب للتعزية.
آنذاك بدأ الخوف يدب في قلبي، خصوصا وأن زوجي كان يذهب إلى الجبهة مع الشباب… وكانت الأفكار السوداء تأخذني إلى أمكنة ما كنت أعلم ما هي.
في كثير من الأوقات كنت أستيقظ من نومي وأسرع إلى ابنتي الصغيرة، وأضع رأسي على صدرها لأتأكد من أنها تتنفس. هذه العادة أصبحت دائمة عندي، وهي نابعة من الخوف عليها…. والخوف من القدر الذي يخبىء للإنسان أشياء وأحداث لا يعلم بها أحد إلا هو.
منتصف الربيع نصعد إلى شاغورة الأرز نهاراً لنزرع الحبوب، وفي المساء نعود إلى بشري لأن ليل الأرز يصبح كثير البرودة، خصوصا أننا مقيمون في منزل هو عبارة عن غرفة واحدة من حجارة الخفان، وسقفها قطعة قماش كبيرة من بقايا خيمة عسكرية قديمة. وفي منتصف حزيران تصبح إقامتنا في الأرز شبه دائمة حتى انتهاء فصل الصيف.
صباح ٢٨ آب ١٩٧٨، شربت قهوة الصباح مع زوجي وصديق لنا من آل طوق، وذهب زوجي مع صديقه إلى العمل في الحقول المجاورة، وسمعتُ إبنتي تبكي على رغم أنها كانت تناولت طعامها، حملتها ووضعتها في حضني وبدأت أغني لها أغنية فيروز:”يللا تنام يللا تنام لح جبلا طير الحمام روح يا حمام لا تصدق بضحك ع سامو ت تنام”.
وأنا أغني كنت ألمح سيارات عسكرية على الطريق العالية التي تفصل الأرز عن البقاع.
ونامت صغيرتي ووضعتها في فراشها الصغير داخل الخيمة، وخرجت وأنا أسمع صفيراً يتجه نحوي، وعندما أصبحت خارج الغرفة انفجر شيء أمامي مزق جسدي وطرحني أرضاً، إلتفتُّ نحو صغيرتي رأيت صدرها يتحرك وسمعت بكاءها، صرخت وعيني نحو السماء: “يا يسوع …. أنا ولا هي”
الإمضاء: أنا الشهيد























