المسيرة – يواجه لبنان اليوم تحديات مصيرية، أبرزها النفوذ الخارجي والضغوط الداخلية التي همشت العديد من اللبنانيين، لا سيما الأحرار من أبناء الطائفة الشيعية، وجعلتهم على هامش القرار الوطني. فبدلاً من أن يكونوا شركاء فاعلين في بناء الدولة، أصبحوا مجرد مراقبين لا يملكون القدرة على التأثير في مجريات الأحداث. هذا الواقع ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة سنوات من هيمنة قوى ميليشياوية استخدمت المال والسلاح والخطاب الديني لتخوين المعارضين، مما أعاق مشاركة “الشيعة الأحرار” في الحياة الوطنية.
قبل الحرب الأهلية كانت الساحة الشيعية الأكثر ديناميكية وانفتاحاً في لبنان. وتنوعت الولاءات فيها ما بين الإقطاع التقليدي، كما في عائلات الأسعد وحمادة، وبين الحركات اليسارية التي قادها مفكرون بارزون مثل مهدي عامل وحسين مروة، والحركة الدينية المعتدلة مع الإمام موسى الصدر، بالإضافة إلى التيار الشمعوني.
لكن المشهد تغير تماماً مع بداية الحرب الأهلية وصعود نجم حركة أمل كقوة ميليشياوية بدعم من النظام السوري، ثم ظهور حزب الله المدعوم من إيران. ففي الثمانينيات، حُصر قرار الطائفة الشيعية فيما يُعرف بـ”الثنائي الشيعي”، وباتت الساحة الشيعية حكراً عليهما.
اليوم، تبرز فرصة تاريخية لإعادة تموضع الطائفة في قلب الدولة اللبنانية. هذه الفرصة تستند إلى إرث الإمام موسى الصدر الذي ركّز على الاستقلالية الوطنية والوحدة اللبنانية الداخلية والحوار البنّاء مع جميع مكونات المجتمع اللبناني. هذا الإرث يعلّمنا أن قوة الطائفة الحقيقية تكمن في اتحادها الوطني مع بقية المكونات اللبنانية ووعيها بمصالح لبنان العليا، بعيداً عن أي تبعية خارجية، بما في ذلك النفوذ الإيراني الذي انحرف بمسار الطائفة السياسي في العقود الأخيرة وقادها إلى الانتحار الجماعي.
فإذا كان على المكونات اللبنانية طمأنة الشيعة الأحرار، فعلى المجموعات الشيعية اللبنانية المتحررة من هيمنة “الثنائي الشيعي” أن تخرج من دائرة الرأي والإعلام فقط وتعمل على بناء إطار سياسي منظم وفاعل، وأن تبني شبكة علاقات متينة مع الأحزاب في الطوائف الأخرى لإنشاء رابط وطني حقيقي يعزز قدرتها على إحداث التغيير المطلوب.
ولتحقيق هذا الهدف، على شيعة لبنان الأحرار أن:
– يشكّلوا إطاراً سياسياً موحداً: يجمع القوى الشيعية المستقلة حول رؤية وطنية واضحة، تمكنهم من المشاركة الفاعلة في القرار السياسي.
– يُجروا حواراً داخلياً فعالاً: لتوحيد المواقف وتبادل الخبرات وتطوير استراتيجيات تضمن الدفاع عن مصالح الطائفة والدولة اللبنانية.
– ينفتحوا على المغتربين الشيعة: للاستفادة من خبراتهم ورؤاهم، وصياغة رؤية شيعية لبنانية جامعة توازن بين الانتماء الوطني والخبرة الدولية.
– يستفيدوا من إرث المفكرين الوطنيين: مثل الإمام موسى الصدر ومهدي عامل وحسين مروة وحبيب صادق لتعزيز الوعي الوطني لدى الشباب في مختلف المجالات.
– يشاركوا بفاعلية في مؤسسات الدولة: لضمان أن يكون الصوت الشيعي مؤثراً وحقيقياً، وليس مجرد رأي هامشي.
إن النضال من أجل استعادة صوت “الشيعة الأحرار” ليس جديداً. فقبل عقدين من الزمن، مثّل الناشط السياسي والنائب السابق حبيب صادق تجربة رائدة في هذا السياق. انطلق صادق من خلفية يسارية وطنية، ورفض الخضوع للهيمنة الميليشياوية، سواء كانت من حركة أمل أو من حزب الله.
لقد مثّلت تجربة حبيب صادق، كما تجارب السيد علي الأمين والشيخ ياسر عودة والشيخ صبحي الطفيلي والعديد من المفكرين والصحافيين أمثال محمد بركات، علي الأمين، هادي مراد، منى فياض، مصطفى فحص، نديم قطيش، ومالك مروة وغيرهم العشرات، نقطة تحوّل، فكانت بمثابة إثبات على أن المقاومة السياسية ممكنة، وأن هناك مساحة للنضال حتى في أكثر البيئات صعوبة. اليوم، على “الشيعة الأحرار” أن يستفيدوا من هذا الإرث النضالي ويبنوا عليه، لأن إعادة بناء الوعي الشيعي على قاعدة من الاستقلالية والوحدة الداخلية والانفتاح على بقية المكونات اللبنانية، يمنح الطائفة القدرة على أن تصبح شريكاً فاعلاً في بناء لبنان مستقل، قوي، ومتوازن.
لبنان بحاجة اليوم إلى بناء جسور الثقة بين القوى اللبنانية الحرة في الطائفة الشيعية وبقية المكونات اللبنانية. هذه الثقة اهتزت بعد أن أثمرت الضغوط السورية في بداية الثمانينيات عن إبعاد رئيس مجلس النواب كامل الأسعد، الذي كان رأس حربة في انتخاب الرئيس بشير الجميل. بالإضافة إلى بناء الثقة، يحتاج لبنان إلى كل مواطن ملتزم بعقله ووطنيته. و”الشيعة الأحرار” هم جزء أساسي من هذا البناء الوطني، ووعيهم ووحدتهم واستفادتهم من إرث الإمام موسى الصدر وتجارب النضال مثل تجربة حبيب صادق، ستمكنهم من تحقيق حضور مؤثر يليق بتاريخهم الوطني.























